الأحد، 20 أغسطس 2017

إشكالية تطبيق المصطلح اللساني في

إشكالية تطبيق المصطلح اللساني في الدراسات اللغوية العربية


إن الحديث عن المصطلح هو الحديث عن فحواه ومعناه داخل أي لسان؛ لذلك فإنه لزاماً أن نجد الكثير من العلماء على اختلاف مشاربهم قد أوْلَوْا عناية كبرى لهذا المفهوم؛ وذلك إما بتعريفه أو بطريقة عرضه وتوظيفه داخل حقل من الحقول.
والمصطلح يشكل حيزاً كبيراً لا غنى عنه لأي كتاب، مهما كان نوعه، فهو الوسيلة الأساسية التي تـُبنى عليها ثقافة أمة من الأمم من خلال الاعتناء بلسانها، ومن ثم بمصطلحاتها.
إن ما تشهده الأمم من تطور هائل اليوم في التكنولوجيا والتحكم فيها لهو دليل واضح على سرعة ظهور مسميات جديدة لأشياء جديدة؛ إذ بات يشكل المصطلح هاجسَ كل الشعوب؛ بل الأكثر من ذلك أصبح علماً قائماً برأسه يدعى: علم المصطلح (Terminologie).
مفهوم علم المصطلح
يعرف علم المصطلح بأنه "العلم الذي يبحث في العلاقة بين المفاهيم العلمية، والألفاظ اللغوية التي تعبِّر عنها، أو لفظ موضوعي يؤدي معنى معيناً بوضوح ودقة"(1).
ولقد كان لاهتمام علماء العرب قديمهم وحديثهم عناية كبرى بهذا العلم، وحتى إن لم يكن معروفاً عندهم بهذه التسمية المخصصة؛ إلا أنه تحدَّث أمثال الجاحظ وسيبويه والشريف الجرجاني وغيرهم عنه داخل حقول اللغة المتشعبة؛ فالجاحظ عندما يتكلم على جانب الخطابة عند العرب وفصاحتهم يقول بأنهم "تخيَّروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا لذلك سلفاً لكل خلف، وقدوة لكل تابع"(2).
إن قول الجاحظ هذا يؤكد أن العرب كانوا ينحتون ويشتقون ويبدلون ويغيِّرون، وكيف لا ونحن نسمع مراراً وتكراراً بتلك الألفاظ التي كانت تدل في وقت مضى على معان ٍخاصة، ومع مجيء الإسلام تغيَّر معناها إلى دلالات أخرى كالصلاة والنافلة والصوم، أو لا يُعَدُّ هذا توظيف للمصطلح في بيئته تلك؟
ولنا في علماء النحو خير دليل على أنهم كانوا يتعاملون بالمصطلح للتعبير عن قضايا ومفاهيم نحوية، فمثلا البصرة استعملت مفهوم المصروف والمنصرف لتدل بهما على "وَصْفُ الاسم المنوَّن غير الممنوع من الصرف نحو محمد وعلي وشجرة وكتاب"(3)؛ واستعملت الكوفة بدورها مصطلح النعت لتدل به على "التابع الذي يكمِّل متبوعه ببيان صفة من صفاته"(4). كما كان لعلماء البلاغة مصطلحات خاصة بقيت دلالاتها سائرة لحد اليوم؛ مثل: الكناية، الاستعارة، الإطناب، إلى آخره.
ولا نبالغ في الحديث إذا قلنا إن المصطلح شهد قفزة نوعية عما كان عليه في القديم؛ حيث مع مطلع العصر الحديث أصبح علماً له أسسه وركائزه، فلم يعد ذلك التأليف المتداخل في سائر العلوم؛ بل صنـِّفت كتب مختصة كلها تدل على حقل معرفي من العلوم، ويظهر ذلك جلياً عند اتصال العرب بغيرهم من الأمم الأخرى (عصر التفتح والنهضة).
ويعد رفاعة الطهطاوي من الأوائل الذين اتصلوا بالحضارة الغربية، وقدَّم مجموعة من المصطلحات، وتبعه في ذلك علماء آخرون أمثال: أحمد تيمور وأمين معلوف الذي ألف معجماً للحيوان، ووضع محمود السعران قائمة من المصطلحات العربية وما يقابلها بالانجليزية، إلى آخره.
ولقد أظهرت الأبحاث اللغوية التي قام بها المحدثون بأن اللغة مهما كان جوهرها وخصوصيتها ليست بمنأى عن التطور والتبدل في مفرداتها، والعربية بدورها قد أصابها هذا التغير والتحول في مفرداتها.
ومادام المصطلح هو في أول الأمر عبارة عن لفظ له دال (signifier) ومدلول (signifiant) فإنه يتأثر بدوره بهذا التغيير الذي يصيب بنية الكلمة.
غير أن هذا الأمر لا يمكن أن نطلق حابله على نابله؛ فليس كل شيء في اللغة يتغير؛ بل إن هناك ما يثبت على حاله؛ لأن "الذي يتغير في اللغة باستمرار هو بنيتها التركيبية، لأن البنية التركيبية من صنع المتكلم، وهو مهندسها"(5).
المصطلح اللساني
لقد شكلت اللسانيات في العصر الحديث ثورة كبيرة خاصة مع مجيء فيردينان دي سوسير، وشهد حقل الألسنية كـمًّا هائلا من المصطلحات والمفاهيم الجديدة. والمصطلح في مفهومه العام، كما يعرِّفه أحمد بوحسون، هو: "كلمة أو مجموعة من الكلمات تتجاور دلالتها اللفظية والمعجمية إلى تأطير تصورات فكرية، وتسميتها في إطار معين، وتقوى على تشخيص وضبط المفاهيم التي تنتجها ممارسة ما في لحظات معينة"(6).
إن المصطلح اللساني كغيره من المصطلحات الأخرى التي وفدت إلينا يجد نوعاً من الحرج في توظيفه واستعمالاته؛ كونه يخطو اتجاهاً خارج اللغة العربية بعيداً عن الاشتقاق والتوليد من جهة، ومعتمداً على التعريب والترجمة من جهة أخرى.
ويمكن أن ينظر إلى واقع اللسانيات العربية عامة ومصطلحاتها خاصة من خلال مرحلتين من الزمان، امتدت الأولى من صدور كتاب علم اللغة للدكتور "علي عبد الواحد وافي" إلى عقد السبعينيات. على حين امتدت الثانية مع السنوات الأولى من ذلك العقد إلى نهاية القرن العشرين تقريباً.
ويلاحظ أنَّ ما صار يعرف بأزمة المصطلح اللساني ومشكلات الترجمة كان نتاج المرحلة الثانية التي شهدت توسعاً مطرداً اتفق مع توسُّع الدرس اللساني في أوربا وأمريكا مع منتصف القرن العشرين(7)، على عكس الأولى فلم تشهد ذلك؛ إذ "اقتبس الدكتور وافي الكثير من المصطلحات اللسانية في كتابه علم اللغة الصادر عام 1940 ووضع ترجمات صحيحة، نحو: علم اللهجات وعلم المفردات وعلم الدلالة وعلم البنية وعلم الأساليب وعلم أصول الكلمات وعلم الاجتماع اللغوية وعلم النفس اللغوي وعلم اللغة وغير ذلك. وكذلك فعل المؤلفون التالون دون أن تظهر مشكلة المصطلح اللساني لديهم؛ كالدكتور إبراهيم أنيس في كتابه الأصوات اللغوية عام 1947، والدكتور تمام حسان في كتابه مناهج البحث في اللغة عام 1955، والدكتور محمود السعران في كتابه علم اللغة: مقدمة إلى القارئ العربي عام 1962، والدكتور عبد الرحمن أيوب في كتابه أصوات اللغة عام 1963، والدكتور كمال بشر في كتابه علم اللغة العام عام 1970، والدكتور محمود فهمي حجازي في كتبه: علم اللغة بين التراث والمناهج الحديثة عام 1970، وعلم اللغة العربية عام 1973 ومدخل إلى علم اللغة عام 1978"(8).
عوائــــق توظيف المصطلح اللساني وترجمته
مما لاشك فيه أن قضية المصطلح تشكل قطباً قائماً بذاته؛ إذ لا غنى لأي علم من العلوم الاستغناء عنه؛ فهو بمثابة المحرك أو الدليل الذي يتعارف به الناس، وهذا شيء بديهي مادام أنه يتشكل من مفهوم (concept) وصورة سمعية (image acoustique) كما نعته دي سوسير. غير أن المشكل لا يكمن هنا؛ لأنه باستطاعة أية أمة من الأمم استقبال عدد لا بأس به من هذه المصطلحات؛ إنما المشكل يكمن في كيفية التعامل معه ونقله من لغة إلى لغة أخرى.
واللغة العربية واحدة من هذه اللغات؛ حيث تستقبل العديد من المصطلحات نتيجة التطور الهائل الذي تشهده التكنولوجيات، وما تذره الأبحاث العلمية من مخترعات جديدة. ووراء هذا الأمر سبب جوهري هو الذي ترك الفجوة واسعة إلى حد ما بين المصطلح وتوظيفه ألا وهو مشكل اختلاف الترجمات.
وإن أهم ما يتسم به وضع المصطلح هو طابعه العفوي، حيث قادت هذه العفوية إلى كثير من النتائج السلبية، وفي مقدمتها الاضطراب في وضع المصطلح، والفوضى في تطبيقه، وعدم تناسق المقابلات المقترحة للمفردات الأجنبية(9).
ومن ذلك: تكرار الاختلافات القديمة في المصطلحات الحديثة؛ كالخلط بين الحلق والحنجرة للتعبير عن (Larynx)؛ والاختلافات الناتجة عن نوعي التعريب والترجمة لأسباب مرحلية، مثل: الصوت اللغوي، الفونيم، الصوتيم مقابل (phonème)؛ والاختلافات وتحويل المصطلح من مفهوم حديث إلى مفهوم حديث آخر؛ مثل: الألسنية لــ(dialectologie)، وعلم الألسنية لـ(linguistique). إضافة إلى أنه ينعت بـ: علم اللغة العام، علم اللغويات الحديث، علم اللسان، إلى آخره.
كما أن هناك مشاكل أخرى وراءه باعتبار اللسانيات "تعاني ما تعانيه العلوم المقترضة من مشكلات تتصل بوضع ثمرات الدرس الأجنبي في متناول الباحثين العرب من حيث اللغة والأسلوب والطرق المنهجية"(10)، ومن هذه المشاكل: عدم الاتفاق على منهجية محددة عند وضع المصطلح؛ وحداثة المصطلحات اللسانية قياساً على المصطلح العلمي الذي صار له قِـدم نسبي وشيوع مقبول؛ وكثرة المصطلحات المتداولة في الكتب والدوريات والمؤتمرات اللسانية وتداخلها.
وتعتبر اللغة العربية لغة توليد واشتقاق وما شابهها، وعلى الرغم من ذلك فإن العرب لازالوا يحتمون بالمصطلحات الدخيلة، ولا يستطيعون التحكم في كيفية التعامل معها نظراً لعدم توحيد المصطلح في أكثر الأحايين، ويحدث هذا على الرغم من أننا نتكلم اللغة نفسها من المشرق إلى المغرب، إلا أن ذلك لم يمنع من ظهور العديد من المحاولات لتوحيده في هذا الشأن؛ إذ تعددت المجامع اللغوية عبر الوطن العربي، وكان لكل منها طريقة معينة في كيفية وضع المصطلح الوافد من الحضارات الغربية والتعامل معه.
وعلى سبيل المثال عندنا في الجزائر المجمعي عبد الرحمان الحاج صالح الذي بيَّن بأن طريقة وضع المصطلح لا ينبغي أن تخرج عن النقاط الآتية:
= التعريب اللفظي للمصطلح الأجنبي الترجمة الحرفية تخصيص أو ارتجال لفظ له بكيفية عفوية تخصيص لفظ عربي بعد البحث عنه في القواميس القديمة(11).
ولو أخذنا على سبيل المثال لا الحصر مجمع سوريا في وضعه للمصطلح نجده يتبع الطريقة التالية(12): تحوير المعنى اللغوي القديم للكلمة العربية وتضمينها المعنى العلمي الجديد؛ واشتقاق كلمات جديدة من أصول عربية أو معربة للدلالة على المعنى الجديد؛ وترجمة كلمات أعجمية بمعانيها؛ وتعريب كلمات أعجمية وعدُّها صحيحة.
وعلى الرغم من المجهودات المبذولة في هذا الميدان إلا أن هذه المجامع وغيرها من المؤسسات العلمية اللغوية لم تتوصل إلى نقطة الالتقاء المنشودة والتي تحفظ لها شرف هذه اللغة، فهناك العديد من المصطلحات التي يقرُّها مجمع ما ولا يكتب لها الخروج إلى النور؛ وحتى إن خرجت فإنها تتصادف بعوائق ناجمة عن سوء توظيفها في الميدان المناسب، وكل هذا راجع في أغلب الأحيان إلى العفوية التي تحاصره من جهات عدة.
إذن لابد من التخلص من هذه العفوية لأنها هي سبب البلوى الذي تعاني منه الأمة العربية في طريقة وضع هذه المصطلحات، وإشكالية تطبيقها في الدراسات اللغوية مما أدى إلى العبثية في التعامل معه.
= = = = =
الهوامش
(1) المؤسسات العلمية وقضايا مواكبة العصر في اللغة العربية، صالح بلعيد، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1995، ص 05.
(2) البيان والتبيين، عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة (مصر)، ط 3، ج 1، (د ت)، ص 102.
(3) معجم المصطلحات النحوية والصرفية، محمد سمير نجيب، مؤسسة الرسالة، بيروت (لبنان)، (د ط)، (د ت)، ص 226.
(4) المرجع نفسه، ص 226.
(5) اللغة والتواصل، عبد الجليل مرتاض، دار هومة، الجزائر، 2000، ص 108.
(6) مجلة المصطلح، مقال بعنوان: بين المفهوم والمصطلح " المصطلح اللساني نموذجاً "، بوعناني سعاد آمنة، العدد 01، مارس، تلمسان (الجزائر)، 2002، ص 224.
(7) مجلة مجمع اللغة العربية، مقال بعنوان: اللسانيات والمصطلح، أحمد قدور، الجزء الرابع، المجلد 81، دمشق (سوريا)، ص 08.
(8) المرجع نفسه، 09-10.
(9) اللسانيات واللغة العربية، عبد القادر الفاسي، منشورات عويدات، بيروت – باريس، 1986، ص 394.
(10) مبادئ اللسانيات، أحمد محمد قدور، دار الفكر، دمشق (سوريا)، ط 2، 1999، ص 28.
(11) المؤسسات العلمية وقضايا مواكبة العصر في اللغة العربية، صالح بلعيد، ص 11.
(12) في قضايا فقه اللغة العربية، صالح بلعيد، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1995، ص 259.

إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد

إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد – تأليف يوسف وغليس – عرض أحمد إبراهيم الهواري

نشرت في ديسمبر 2, 2014 عن طريق - قسم أدب دكتور أحمد إبراهيم الهواري
الناظر في هذا السفر الضخم، (543 صفحة من القطع الكبير)، يشعر بعبء المسؤولية؛ حين يتصدى للقيام بعرض ما يثير المتن من قضايا مصطلحية، يمور بها المشهد النقدي الجديد، ويرنو بباصرته لما يعج به من فوضى مصطلحية.
بيد أن هذه قد تدفع بالصفوة الواعية من المشتغلين بعلم المصطلحية والنقد؛ أن تأخذ أنفسها بالشدة وبالدقة والأمانة والاجتهاد في «سك» المصطلح: ترجمة وتأليفاً وصولاً إلى ضفاف «التوحيد المصطلحي». ومن ثم، فالبداية الصحيحة تهيئ للاتجاه الصحيح. حيث يتحول «نثار» الفوضى المصطلحية إلى «ثورة مصطلحية خلّاقة». فمن هذا الاختلاف يزكو العلم ويتأكد حلم توحيد المصطلحية وتقييسها.
الإطار المنهجي للبحث :
انقسم البحث إلى ثلاثة أبواب تتشكل في مجموعها من ثمانية فصول.
وقد وقف المؤلف الباب الأول على دراسة نظريةٍ لإشكالية المصطلح. وانتسقت فصوله على الوجه الآتي:
الفصل الأول :
في هذا الفصل يعالج الباحث «إشكالية المصطلح»: لغةً واصطلاحاً. ويتعقّب الدلالة الصرفية للكلمة – «المصطلح» وتطور دلالاتها المعجمية. ويستند في تعريفها إلى «تعريفات الجرجاني» إذ يقول: «الاصطلاح عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما يُنقل عن موضعه الأول، وبإخراج اللفظ معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد». وقيل: الاصطلاح: «لفظ معين لقوم معينين». وهكذا تتحدد الدلالتان المعجمية والاصطلاحية لتغدو اتفاقاً لغوياً بين طائفة مخصوصة على أمر مخصوص في حقل أو ميدان مخصوص.
وفي تأثيله لمدار الكلمة في اللغات الأوروبية يشير إلى أنها انحدرت اشتقاقياً من الكلمة اللاتينية (terminus) بمعنى الحد أو المدى أو النهاية. وتتراءى لنا الكلمة في الفرنسية (terme) وفي الإنكليزية (term) وفي الإيطالية (termine) وفي الإسبانية (termino) وفي البرتغالية (termo). ويأتي على مدار المعنى المصطلحي في حقول معرفية؛ كالرياضة، والاقتصاد، والقانون.
والمؤلف يستند إلى «علي القاسمي» في كتابه: «مقدمة في علم المصطلح» شارحاً المصطلح “Terme” بوصفه «وحدة لغوية» دالة مؤلفة من كلمة (مصطلح بسيط)، أو من كلمات متعددة (مصطلح مُركَّب) وتسمي مفهوماً محدداً وحيد الوجهة داخل ميدان أو حقل ما.
ويتبدى صدر العلم Background([1]) في تأثيل المؤلف للمشهد المعرفي الذي يصور موقع المصطلح وتاريخه، حيث يلوح في فضاء المشهد مرجعيات تراثية متمثلة في أطياف من جهود القدماء مثل «الخوارزمي» في «مفاتيح العلوم»، والسكاكي في «مفتاح العلوم»، والجرجاني في «التعريفات» والتهانوي في «كشاف اصطلاحات الفنون».
وما سبق يفضي إلى دلالة «المصطلح النقد الأدبي» بما هو: «رمز لغوي مفرد أو مُرَكَّب، أحادي الدلالة، منزاح نسبياً عن دلالته المعجمية الأولى، يعبّر عن مفهوم نقدي محدد واضح، متفق عليه بين أهل الحقل المعرفي، أو يرجى منه ذلك». ومن آيات الروح العلمية أن ينهض علماء كل حقل معرفي بـ «سك» المصطلح العلمي المتداول بين المشتغلين به وضبطه.
إن «المصطلح» علامة لغوية خاصة تقوم على ركنين أساسيين: أحدهما الشكل (Forme) أو التسمية (dénomination)، والآخر المعنى (Sens) أو المفهوم (Notion)أي الوصف اللفظي للتصور الذهني. ويتناول علم المصطلح (Terminologie):«بنية المصطلحات ومدلولاتها وحفرياتها التأثيلية، واشتقاقاتها المعجمية، وتطوراتها الدلالية إلى غاية استقرارها الاصطلاحي، وانتقالاتها بين الحقول المعرفية المختلفة، وهجرتها بين مختلف اللغات».
أما «فقه المصطلح» (Terminogtaphie)فينصب مجاله البحثي حول جانب تقني من النظرية الاصطلاحية العامة، يستهدف الصناعة المصطلحية التي تتمثل المفاهيم العلمية السابقة، بالإضافة إلى طرائق الوضع الاصطلاحي وآلياته النظرية، بغية جمع المصطلحات التي ينتظمها حقل مصطلحي محدد، وتصنيفها وترتيبها وفق نظام معين، ثم نشرها في شكل قاموس مصطلحي متخصص.
وظائف المصطلح
ويحدد المؤلف وظائف المصطلح بجملة من الوظائف، يمكن تلخيصها في خمس:
أولاً     :الوظيفة اللسانية :فالفعل الاصطلاحي يكشف عن طاقة اللغة العربية وعبقريتها، ومدى اتساع جذورها المعجمية، وتعدد طرائقها الاصطلاحية. ومن ثم قدرتها على أن تكون لغة العلم.
ثانياً     :الوظيفة المعرفية :بما أن المصطلح هو لغة العلم والمعرفة، فلا وجود لعلم دون مصطلحية (مجموعة مصطلحات). وقد التفت علماؤنا القدماء إلى أن التأسيس المعرفي للعلوم يتطلب تحديد لغة علمية متفق عليها بين المشتغلين بالعلوم. وقد خلّف هؤلاء مكانـز مصطلحية تمثل مفاتيح العلوم والفنون. وكل علم له مفتاحه، أي مصطلحه. والأمثلة على ذلك: «كشاف اصطلاحات الفنون» للتهانوي، و«مفتاح العلوم» للسكاكي، و«التعريفات» للجرجاني.
ثالثاً     :الوظيفة المصطلحية:وكما أن المصطلح مفتاح العلم، فهو أبجدية للتواصل بين أهل الاختصاص في أي حقل معرفي.
رابعاً    :الوظيفة الاقتصادية:يقوم الفعل الاصطلاحي بوظيفة اقتصادية بالغة الأهمية؛ يمكننا من تخزين كم معرفي هائل، في وحدات مصطلحية محددة، والتعبير بالحدود اللغوية القليلة عن المفاهيم المعرفية الكثيرة.
خامساً  :الوظيفة الحضارية: تعد اللغة الاصطلاحية لغة عالمية. فهي ملتقى الثقافات الإنسانية؛ وهي الجسر الحضاري الذي يربط لغات العالم بعضها ببعض. وتتجلى هذه الوظيفة خصوصاً في آلية «الاقتراض» (emprunt)التي لا غنى لأية لغة عنها، حيث تتحول بعض الكلمات – بفعل الاقتراض – إلى كلمات دولية (internationaux) ويتحول المصطلح إلى وسيلة لغوية وثقافية للتقارب الحضاري بين الأمم.
هجرة المصطلح :
يعالج المؤلف «هجرة المصطلح ومكانه في سُلَّم التجريد الاصطلاحي، حيث تقتضي (هجرة المصطلح) أن يتتبع المصطلح حين يهاجر من بيئة لغوية معينة (لها شروطها البنوية ومواصفاتها الدلالية) إلى مُهَاجر لغوي مغاير. ويعتمد المؤلف على «عبد السلام المسدي» في تحديده لقانون التجريد الاصطلاحي للمصطلح المهاجر. وخلاصة هذا القانون أن المصطلح الدخيل – في هجرته من لغة إلى أخرى – يمر بثلاث مراحل تمثل ناموساً مطرداً، قبل أن يستقر في مرحلته الأخيرة على صورته المجردة. وهذه المراحل هي:
1 –   مرحلة التقبل: وفيها يغزو المصطلح اللغة، ويحل ضيفاً جديداً على رصيدها المعجمي.
2 –  مرحلة التفجير: وفيها يُفصَل دال المصطلح عن مدلوله، ويفكّك المصطلح إلى أجزائه المكونة له، فيُستوعب نسبياً، ويعوَّض بصياغة تعبيرية مطوّلة نوعاً ما.
3 –   مرحلة التجريد: وفيها يتم تعويض العبارة المطولة بلفظ يهيمن على «المفهوم»، فيستقر المصطلح الدخيل على مصطلح تأليفي أصيل. والمؤلف ينقل عن «المسدي» تمثيله لهذه المراحل بمصطلح (Phonétique) حيث تحوّل من (الفوناتيك)، في مرحلة التقبل، إلى «علم الأصوات الحديث» في مرحلة التفجير، إلى «الصوتيات» في مرحلة التجريد.
وهو يتلبث أمام الفكرة القائلة بأن قيمة المصطلح تتحدد وظيفتها داخل الحقل المعرفي؛ معتمداً في ذلك على مؤسس علم المصطلح (wuster) وليس (أ. فورستر) كما ذكر المؤلف، حين عد «كل ميدان تخصصي حقلاً مغلقاً، لا يكتسب المصطلح قيمته إلا داخل هذا الحقل» ويشير إلى التفات «التهانوي» (ت 1158هـ) محذراً إلى ما سمّاه «اشتباه الاصطلاح» لأن «لكل علم اصطلاحاً خاصاً إذا لم يُعلم بذلك لا يتيسر للشارع فيه الاهتداء إليه سبيلاً، وإلى انفهامه دليلاً».
جدلية المنهج والمصطلح.
لا يمكن الحديث عن القضية الاصطلاحية بمعزل عن القضية الأم «إشكالية المنهج». وثمة علاقة تفاعلية بين المصطلح النقدي والمنهج النقدي. فالعلاقة بين المنهج في القراءة والمصطلح وثيقة اللحمة والسدى. ومن ثم يتيسر لنا أن نفسر اختلاف دلالة المصطلح من قراءة إلى قراءة، وأن نفهم شيوع مصطلح ما دون غيره من المصطلحات، في قراءة دون قراءة.
هذا التلازم بين المصطلح والمنهج يفضي إلى نتيجة هي أن المصطلح في أبسط وظائفه النقدية، هو مفتاح منهجي – لأن المصطلحات المستخدمة في القراءة النقدية، «تحدس بالمنهج الذي ينطوي تحته المصطلح»، وأن استخدام مصطلحات بعينها يشكل علامة دالة على المنهج المتبع، وهذه مسألة مهمة، إذ يمكن اعتبارها مرشداً أساسياً لتبين منهج الناقد، وإذا ما تعددت المصطلحات من مصادر منهجية مختلفة، يمكن لإحصاء بسيط إظهار المنهج الغالب أو المنهج المحتضن لمناهج أخرى تبدو هامشية.
وبالمثل، فالمنهج عامة يحدد المصطلح، ومن خلال تحديد المنهج يتولد المصطلح الذي يسهم في بلورته وإنجاز فعله.
ولمواجهة خط «التماس» بين إشكالية المنهج وإشكالية المصطلح فالكاتب الناقد يوسف وغليس طرح فروضاً كاشفة عن «الهاجس» الذي يراوده وسط هذا الطوفان المصطلحي؛ والذي جاءت تلك الفروض بمثابة خطوات إجرائية؛ تمثلت في أن:
-         المصطلح وثيق الصلة بمنهجه، وتطبيق منهج بمصطلحات وافدة من إطار منهجي مغاير، أمارة من أمارات عدم التحكم في المنهج.
-         المنهج – أي منهج – ذو جهاز مصطلحي محدَّد ومتكامل دلالياً، لكنه جهاز مرن شفاف، يسمح بالانفتاح النسبي على شتى المجالات المعرفية.
-         فقر الدراسة النقدية اصطلاحياً، أو ندرة المصطلح فيها (مع مراعاة «القوة الاصطلاحية» للمصطلح) دليل على طغيان اللغة الشارحة، وربما غياب المنهج.
-         هيمنة المصطلح النمطي أو «اللامنتمي» (أي الشارد عن المنهج، والقابل للانتماء في أي إطار منهجي) دليل موصل إلى التشكيك في كفاءة المنهج المنتهج.
-         ائتلاف الحقول المصطلحية المختلفة، وتعايشها، داخل الدراسة الواحدة، دليل على وجود نزعة منهجية تهجينية، تلفيقية.
-         تداخل الحقول المصطلحية في مرجعياتها الأجنبية الأولى يكافئ تداخلاً في النظريات التي تنتظم تلك الحقول.
والمؤلف حريص على تأكيد أن المصطلح وثيق الصلة بالمنهج، ويفقد شرعيته خارج توظيفه.
كثيرة هي الإشكاليات التي تمثل تحدياً للاستراتيجية البحثية، وقد أشار المؤلف، وهو صدد تحديد «المشكل البحثي» الذي يروم معالجته إلى الصعوبات التي تحف بـ «المصطلح النقدي الجديد». وفيه ما فيه من الالتباس. ومن هنا تتطلب قضية المصطلح النقدي، بحكم طبيعة البحث الاصطلاحي العابرة للاختصاصات، الاستعانة بجملة من المناهج والاختصاصات المختلفة.
-         تتنازع القضية الاصطلاحية النقدية الجديدة جملة من الرؤى المختلفة التي تقبل الأخذ والرد، والمناقضة أحياناً؛ حيث يحتد الجدال بين منادِ بإعمال المصطلح التراثي في مواجهة المفهوم الغربي ومنادٍ بإهماله؛ وبين متحمّس للنحت والتعريب ومعارض لهما، مكتف بالآليات الأصيلة التي تحافظ على نقاء اللغة.. بمعنى أن الإشكالية الاصطلاحية تتفرع إلى جملة من الإشكاليات الثانوية التي لا سبيل ميسراً إلى «فصل الخطاب» فيها.
والمؤلف يؤمن بأن لا جدوى من حل مشكلة المصطلح حلّاً منفرداً. ومن ثم فقد حاول الاكتفاء بالوقوف عند عيِّنات مصطلحية من كل حقل نقدي، دون مسح الحقل مسحاً استقصائياً، وإنما اجتهد أن ينصب جهده على الحل الكلي العام من خلال ربط المسألة المصطلحية بمسألة المنهج النقدي. وتلك – فيما يرى هي – البداية الصحيحة الكفيلة بالوصول بالنظر في المشكل المصطلحي إلى أن يكون علماً منضبطاً. ومن هنا، فهو يروم صياغة لنظرية المصطلح، في الخطاب النقدي العربي الجديد، بالوصف العلمي الذي يصدر عن وعي بأن النظرية عبارة عن إطار فكري، يفسر مجموعة من الفروض العلمية، ويضعها في نسق علمي مترابط من حيث الحد والمفهوم.
وفي بسطه لهموم الباحثين في حقل المصطلحية، يؤكد أن هذه الهموم البحثية، شكَّلت باعثاً للاجتهاد في درسها، ووضعها على بساط البحث. وقد تبدت هذه الإشكالية في أن المصطلح الأجنبي قد يُنقل بمصطلح عربي مبهم الحد والمفهوم، أو أن المفهوم الغربي الواحد قد يُنقل بعشرات المصطلحات العربية المترادفة أمامه، أو أن المصطلح العربي الواحد قد يَرِدُ مقابلاً لمفهومين غربيين – أو أكثر – في آن، أو أن الناقد العربي الواحد قد يصطنع مصطلحاً فيه كثير من التصرف – زيادة أو نقصاً – في مقابله الأجنبي، وما إلى ذلك من مظاهر الإشكالية.
الفصل الثاني : معايير المصطلح وآليات الاصطلاح
وفيه عالج المؤلف: معايير الحد الاصطلاحي، آليات صياغة المصطلح، الاشتقاق، المجاز، الإحياء، التعريب، النحت.
والمؤلف – عوداً على بدء – يعالج هذه القضايا اللغوية في الفصل الأول من الباب الثالث وإن جاءت من زاوية بنية المصطلح.
الباب الثاني : المصطلح النقدي الجديد وإشكالية الدلالة
وقد أمحض هذا الباب لدراسة الحقول المصطلحية. وينشعب إلى أربعة فصول.
الفصل الأول: الحقل البنيوي :
وفيه يتعقّب المؤلف الروافد المعرفية التي تغتذي منها البنيوية؛ فهي تستمد روافدها من ألسنية دوسسير، وأنثروﭘـولوجية ليفي ستروس، ونفسانية بياجي، وجاك لاكان، وحفريات ميشال فوكو التاريخية المعرفية، وأدبيات رولان بارت. ويمضي المؤلف يتعقب روافد الفكر البنيوي لدى الشكلانية الروسية، ويُعزى لها أنها لم تكن تمهيداً لنشأة البنيوية فحسب، بل كانت مسقط رأس علوم وثيقة الصلة بالبنيوية والسيميائية، كالشعرية والسردية (وجميعها احتلت مساحة عريضة في الفصل الثالث) من هذا البحث.
والمؤلف يشير إلى أن الشكلانية تقوم على ائتلاف تجمعين روسيين شهيرين، هما:
أ –    حلقة موسكو (195 – 1920). جماعة الأوبوياز Opôjaz (1916) وتعني هذه التسمية المختصرة (جمعية دراسة اللغة الشعرية) التي تأسست سنة 1916 بمدينة سان بطرسبرج.
وتنهد الشكلانية الروسية على أطروحتين:
-         التشديد على الأثر الأدبي وأجزائه المكونة.
-         الإلحاح على استقلال علم الأدب.
ب – حلقة براغ Cercle du Brague (1926 – 1948) ومن أعلامها موكاروفسكي، ورينيه ويليك، وجاكبسون وتربتسكوى. وتابعت هذه الحلقة إنجازات الشكلانية الروسية، وقدمت أطروحاتها حول اللغة عام 1929. والشكلانية، في ارتباطها بحلقة براغ رفعت مبدأ «محايثة (immanence) النص الأدبي ضمن مقاربة بنيوية».
جـ –   جماعة “Tel quel” (1960) ويعرض المؤلف لاهتمام هذه الجماعة بحقول فكرية شتى؛ كالتحليل النفسي، والماركسية، واللسانيات. وقد دعت إلى نظريات جديدة في الكتابة كانت معبراً للتحول من «البنيوية» إلى ما بعد «البنيوية» (Post structuralisme) ويُلِم بحلقات لغوية أخرى كان لها دور في تأسيس الفكر البنيوي، كحلقة كوبنهاغن (1931) وحلقة نيويورك (1934).
وتستمد البنيوية وجودها الفكري والمنهجي من مفهوم (البنية) أصلاً. وفي ضوء هذا المفهوم يكون الجزء لا قيمة له إلا في سياق الكل الذي ينتظمه. ويترتب على هذا أن المنهج البنيوي في تعامله مع النصوص الأدبية يغيّب الخصوصية الفنية للنص الواحد في فرادته وتميزه، ويذوّبها في غمرة انشغاله بالكليات. وينتهي المؤلف إلى أن البنيوية منهج نقدي داخلي يقارب النصوص مقاربة آنية محايثة، وتتمثل النص بنية لغوية متعالقة، ووجوداً كلياً قائماً بذاته، مستقلّاً عن غيره.
والبنيوية امتداد لجمة من مفاهيم متضافرة وحقول معرفية مختلفة، لعلَّ أهمها مفهوم «المجموعة» (Group) في الرياضيات، على نحو ما يذهب جون بياجي، ومفهوم (الشكل: Gestalt) في علم النفس الجشطاليتي؛ بينما تبقى اللسانيات الحديثة (ومعها النقد البنيوي) في اصطناعها لهذا المفهوم مدينة لسوسير الذي كان يعبر عن ذلك بمصطلح النسق أو النظام (Systeme) . فما سمّاه دوسوسير (نسقاً) سمّاه خلفه (بنية).
ويذهب المؤلف إلى أن فكرة (النسق) عند دوسوسير تلتقي وفكرة (النظم) عند عبدالقاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز([2]) (والمؤلف هنا يؤكد أنه من شيعة التراث بإحيائه مفاهيم تراثية). وهو يتوقف أمام الجهاز الاصطلاحي لهذه المدونات النقدية، على نحو ما تتراءى في:
1 – البنية والبنيوية: وقد حصر جون بياجي خصائص البنية في ثلاثة عناصر:
-         الكلية (la totatalité)، التي تحيل على التماسك الداخلي للعناصر التي ينتظمها النسق.
-         التحولات (Les Transformations)، التي تفيد أن البنية نظام من التحولات لا يعرف الثبات، فهي دائمة التحول والتغير وليست شكلاً جامداً.
-         الضبط الذاتي (L’autoréglage)، الذي يتكفل بوقاية البنية وحفظها حفظاً ذاتياً، ينطلق من داخل البنية نفسها، لا من خارج حدودها.
وفقاً لهذا التصور البنيوي، كان دوسوسير يمثل نظام اللغة بلعبة الشطرنج، فكما أنه لا قيمة لقطعة الشطرنج في ذاتها، وإنما قيمتها مرتبطة بموقعها على الرقعة، كذلك تتحدد قيمة الكلمة – في النظام اللغوي – بمقابلتها مع الكلمات الأخرى.
ولا يكاد يختلف هذا الكلام – فيما يذهب المؤلف – في شيء عن الفكرة التي أقرها عبدالقاهر الجرجاني في نظمه قبل دوسوسير بقرون. فلا فرق بين (نظم) الجرجاني وبين نسق: (Système)سوسير من هذه الناحية، فكلاهما يؤدي مفهوم (البنية) هنا؛ حيث يتحدد مفهوم العنصر بشبكة العلاقات التركيبية التي تنتظم هذا العنصر مرتبطاً بالعناصر الأخرى في الشبكة الواحدة.
2 – المحايثة: صارت (المحايثة) مبدأ من مبادئ اللسانيات البنيوية، ووصفاً لـ «كل بحث يعرف بنيات موضوعه – غير معتمد – إلا على علاقات الحدود الداخلية لهذا الموضوع. فالمحايثة، إذن، «مصطلح يدل على الاهتمام بالشيء (من حيث هو) ذاته، وفي ذاته». فالنظرة المحايثة هي النظرة التي تفسر الأشياء في ذاتها، ومن حيث هي موضوعات تحكمها قوانين تنبع من داخلها وليس من خارجها.
3 – الآنية (Synchronie) والزمانية (Diachronie) ويعتمد المؤلف في تأثيله لهذين المصطلحين على معاجم أجنبية متخصصة تشير إلى أن «السنكرونية»: هي مواجهة دراسية للغة معينة، في زمن معين، بوصفها نظاماً ساكناً، بينما تدل «الدياكرونية» على تتبع وقائع اللغة في تعاقبها وتغيرها من مرحلة إلى أخرى ضمن مسارها التاريخي الممتد.
البنيوية التكوينية (Structuralisme Genétique)ارتكزت البنيوية الشكلانية على الدوال وبناها الشبكية؛ لكنها غفلت عن المدلولات الخارجية. ووجد النقاد في مراجعاتهم لمقولاتهم أن هذا المنهج انتهى إلى العقم ولا يمكن أن يكتسب خصوبته النقدية؛ وأن يجدّد نفسه إلا بتكامله مع المنهج التكويني. وجاء ذلك على يد الناقد والمفكر الماركسي «لوسيان جولدمان»([3]) الذي يرتكز على نظرية التماثل أو (التناظر) (Homologie)(Homology) التي تعني ببحث العلاقات بين الأثر الأدبي (أو البناء الروائي خاصة) والبناء الاجتماعي أي علاقات الطبقات الاجتماعية التي تسود العصر، فيما سمّاه (بنيوية تكوينية) تسعى إلى إقامة تماثل (أو تناظر) بين بنية النص والبنية الذهنية للشرائح أو (الفئات) الاجتماعية التي يستوحيها النص. ومن ثم كانت البنيوية التكوينية تهجيناً للهيكل البنيوي بالروح الاجتماعية.
وتقوم هذه النظرية على مفهومين متكاملين هما: الفهم (Comprhension) ، والشرح (Explication)، وينهض الأول بالبنية الصغرى (البنية النصية) أي الدراسة البنيوية للنص، بينما يتجاوز الثاني ذلك، إذ يضع هذه البنية الصغرى في إطار بنية كبرى هي البنية الاجتماعية المحيطة بالنص.
وهكذا يصير النص في هذا التصور المنهجي الجديد تعبيراً عن رؤية العالم([4]) (Vision du Monde)أو النظرة إلى العالم (World View) التي هي ليست وقائع فردية، إنما هي أحداث اجتماعية ترفد رؤى الفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها صاحب النص.
الفصل الثاني: الحقل الأسلوبي
تاريخ الأسلوبية – الميلاد والوفاة (1909 – 1969) في هذا الفصل يعرض المؤلف لـ «علم الأسلوب»، ويُلِّم برواده ممن استخدم هذا المصطلح، ومنهم «نوفاليس»، وهو من أوائل من استخدم هذا المصطلح. على أن الميلاد الحقيقي لهذا العلم تم على يد شارل بالي Charle Bally من خلال كتابه «الأسلوبية الفرنسية» (1909). ثم بدأ الاهتمام بالأسلوبية يتزايد مهتدياً بالمعطيات العلمية الألسنية؛ ومتقاطعاً مع حقول معرفية: كالبلاغة، وفقه اللغة، والنقد الأدبي، وعلم العلامات، إذ ظهر – من بعد بالي – طائفة من الأسلوبيين استقوا لأنفسهم طرقاً واتجاهات ضمن هذا العلم الجديد، أَثْرَتْ البحث الأسلوبي برؤى معرفية ومنهجية جديدة.
ويشير المؤلف إلى أن الإطار العام الذي ينتظم الأسلوبية تراوح بين اللسانيات والمنهج النقدي. وهي – فيما يذهب – ليست منهجاً قائماً بذاته، كما أنها ليست علماً مستقل الاختصاص، هي ممارسة علمية تتوسل في تحليلها للنص الأدبي بآليات منهجية، مستمدة من علوم عديدة (علم الدلالة، البلاغة، البنيوية، الإحصاء).
وفي عرضه لحضور «الأسلوبية» في الخطاب النقدي الجديد يتلبث أمام المنجز النقدي اللساني لأعلامه؛ ومنهم عبدالسلام المسدي، ومحمد الهادي الطرابلسي، وسعد مصلوح، وعبدالملك مرتاض وغيرهم. ويقف أمام الاتجاه الأسلوبي الذي راده سعد مصلوح ومرتاض. كما يعرض المؤلف لاتجاه أسلوبي أطلق عليه «الدائرة الفيلولوجية» (Cercle Philogie) وهي التسمية التي تطلق على منهج الأسلوبية المثالية (S. Idealiste) على نحو ما بلورها الألماني «سبيتزر» Lés Spitzer ؛ إذ أراد بهذا الاتجاه أن تكون الأسلوبية جسراً بين اللسانيات وتاريخ الأدب. وقد وصفها م. شيفر بأنها «أسلوبية أدبية تعبيرية نفسانية. وعاب عليها آخرون روحها الذوقية الانطباعية، وإن أجمعوا على نتائجها المسددة.
وفــــي مــــراجعتــــه لتعــــدد ترجمـــات الكلمة الموضوع (mot-thème)والكلمة – المفتاح (mot-clé)يبدي ملاحظ انتقادية ليخلص بنتيجة مؤداها أنه أجدر بالكلمة المفتاح أن تطبق على النصوص العلمية لا الأدبية، وبخاصة إذا كانت الكلمات المفاتيح بالمفهوم الذي يورده (معجم اللغة واللسانيات) الإنكليزي المتخصص:
Dictionary of Language and Liuguistics, (key-words).
هي المصطلحات (Terms) التي تمثل التصورات (والمفاهيم النموذجية في حقبة معينة، أو لدى فئة معينة، في سياقات علمية مخصوصة، بنسبة لا تعكس الاستعمال الكمي والكيفي لهذه الكلمة لدى عامة أهل اللغة التي تنتمي إليها تلك الكلمة. وعلى هذا الأساس جمع د. مانغينو بين كلمتي (المصطلحات) و(المفاتيح)، وجعل منهما عنواناً لمعجمه في تحليل الخطاب :
DM aingueneau: Lés Terms Clés. De L’annalgse Du Discours, mémo Seuil, 1996
ولا يتّسع المجال للحديث عن تحليل المؤلف لاصطناع الأسلوبية لمصطلحات الاستبدالية (Paradigmatique)، والتركيبية (Syntagmatique) ، والانزياح (Déviation, Ecart) .
الفصل الثالث: الحقل السيميائي :
لا يكاد يخلو فصل من فصول هذا الكتاب من تأكيد المؤلف وإلحاحه على تأثيل كل مصطلح، وتعقب جذوره اليونانية والعربية من بعد إغناءها ولتصبغ المشهد النقدي الجديد بصبغتها المائزة. فمصطلح (Sémiotique) يستدعي إدراك المفهوم اليوناني للحد (Sémion)الذي يحيل على سمة مميزة (Marque , Distinctive) ، أثر (Trace)، وقرينة (Indice) ، وعلامة منذرة (Sign, Précurseur)، دليل (Preuve) وعلامة منقوشة أو مكتوبة (Signe Gravé ou écrit)، وبصمة (Impreinte)، وتمثيل تشكيلي (Figuration) .
هذه العلامات (اللغوية وغير اللغوية) هي الموضوع المفترض لهذا العلم (السيميائية). وقد نشأ بين نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فمحور هذا العلم: «العلامة». ويعبَّر عنه بـ «علم السيمياء» وبصيغة المصدر الصناعي «السيميائية». وبالرجوع إلى المعاجم العربية نلاحظ أن المواد المعجمية الثلاث: السومة، السمة، السيماء، جميعها سواء في الاستعمال اللغوي. وكلها تفيد «العلامة»، وإن تغلبت الصيغة المقصورة (السيما) على سائر الصيغ في الاستعمال القرآني. وبالعودة إلى المفهوم، في سياقه التراثي، نلمس أن هذا الاستعمال جاء في سياقات «سحرية» مخصوصة على نحو ما جاء في مقدمة «ابن خلدون» ما دفع بعض المعاصرين إلى إحياء هذا المفهوم/ المصطلح العربي.
ويعرض المؤلف لدور «شارل ساندرس بورس» في الارتقاء بهذا العلم، ليصبح إطاراً مرجعياً يضم كل حقل غير لغوي.. في الرياضيات، والأخلاقيات، والماورائيات (الغيبيات) والصوتيات، الكيمياء، والتشريح، والاقتصاد، وعلم النفس، وتاريخ العلوم. وكل هذه الحقول المعرفية تستقل بتقسيم ثلاثي: الأيقونة icone / icon، القرينة index / indice ، والرمز symbole / symbol .
ويشير إلى تداخل السيميائية (Sémiotique)بالسيمولوجيا (Sémiologie) في الكتابات الغربية والعربية جميعاً، ما يوحي بأنهما حدان لمفهوم واحد، ويتجاهل الفروق الجوهرية التي تفصل هذه عن تلك، وينتهي من تحليله لآراء تودروف وديكرو حيث نجد أن المصطلحين يستخدمان بصيغة العطف والتخيير. على أن اللافت أن (السيميائية) معطى ثقافي أميركي – أساساً – يحيل على مفاهيم فلسفية شاملة وعلامات غير لغوية، بينما (السيميولوجيا) معطى ثقافي أوروبي هو أدنى إلى العلامات اللغوية، والمجال الألسني عموماً، منه إلى أي مجال آخر. على أن علماء العلامات كثيراً ما يرادفون بين المصطلحين. وقد كان لهذا التداخل تأثيراته لدى المترجمين لهذين المصطلحين على نحو أتاح للمؤلف تعقّب جهود المترجمين لمصطلحات النقد الجديد.
وداخل هذا الفصل (الحقل السيميائي) يحشد المؤلف طاقته في تأثيل مصطلحات بالغة الأهمية، تمثل – أو تكاد – العصب الحساس/ العصب الحائر في المشهد النقدي العربي الجديد. وتكمن الحساسية في أن المصطلح «الشعرية» يأتي في طليعة المصطلحات الجديدة التي احتلت مساحة من الانشغال النقدي، بات مهيمناً على الأنواع الأديبية جميعاً: الشعر، والسرديات. وقد رأينا المؤلف يمكث طويلاً أمام مفاهيم الشعرية ومشتقاتها، ومفاهيم السرديات واتجاهاتها، وشعرية الشعر، وشعرية النثر (شعرية السرد)، والسرديات الشعرية، وشعرية الخطاب السردي وشعرية الجمال. أما أنها تمثل العصب الحائر، فلأنه مصطلحاتها تمور موراً.
ويضيء المؤلف الطريق أمام القارئ في تعريفه للشعرية. فهو يرى أنها ولدت مع مطلع النهضة اللسانية الحديثة، مع الفكر البنيوي في طوره الشكلاني، ولكن اتساع مجالاتها، جعل تعريفاتها ترتبط بالحقول المعرفية التي هي موضع اشتغالها. ويستحضر تعريف تودروف T. Todorov : «كل شعرية – مهما تكن تنوعاتها – هي بنيوية، ما دام موضوعها بنية مجردة (هي الأدب)، وليس مجموعة القواعد التجريبية (الآثار الأدبية).
الفصل الرابع : الحقل التفكيكي
وفي معالجته لمصطلح التفكيكية (Déconstruction) يسجل المؤلف أن الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا هو الذي أطلق هذا المصطلح على القراءة النقدية المزدوجة. حيث تسعى هذه القراءة المزدوجة إلى دراسة النص دراسة تقليدية أولاً لإثبات معانيه الصريحة، ثم في مرحلة تالية من القراءة تسعى إلى تفكيك / تقويض ما تصل إليه من نتائج في قراءة معاكسة تعتمد على ما ينطوي عليه النص من معانٍ تناقض ما يصرّح به. وتهدف القراءة التفكيكية /  التقويصية إلى إيجاد ثغرة بين ما يقوله النص صراحة؛ وبين ما يقوله من غير تصريح. وبعبارة أخرى تسعى التفكيكية إلى تحرير النص الحي المفتوح من قيد القراءة الأحادية المغلقة.
إن القـــراءة التفكيكيـــة تستهـــدف تفجيـــر النـــص؛ انطــــلاقــــاً مــــن مبــــدأ اللاتمـــاسك (non-coherence)فقد اقترح دريدا «قراءة النص» بما هو إنتاج لمعان غير قابلة للتجميع (non-totatalisable). ووفقاً لهذا التصور، تغدو العلامة اللغوية – إذن – موضع اضطراب وتشويش (confusion) دائمين بين المعنى المرجعي (référential)والمعنى المجازي (figuré) بين الاختلاف (Différence) والاخـ(ت)ـلاف (Différance) .
وهذا هو المصطلح المركزي في فكر دريدا «التفكيكي». وقد ولَّد / (سكّ) هذا المصطلح بالاعتماد على الفعل الفرنسي (différer) ليستثمر صيغتيه في القاموس الفرنسي: الصيغة اللازمة، التي تدل على الشيء المغاير، المختلف (dissemblable) والصيغة المتعدية، التي تدل على إرجاء أمر ما أو تأجيله إلى وقت آخر (remetre à un autre temps)، مشتقاً مصدر الاختلاف (Différence)من الصيغة الأولى ذات الدلالة المكانية أساساً، أما الصيغة الثانية ذات الدلالة الزمانية، فقد اشتق منها مصدراً جديداً لا عهد للغة الفرنسية به، هو الإرجاء أو التأجيل، أو الاختلاف (Différance).
ويرى المؤلف أن دريدا استوحى فكرة الاختلاف – أصلاً – من دوسوسير الذي يرى أن العلامات لا تدل بذاتها وإنما باختلافها عن غيرها. ثم ذهب بالفكرة مذهباً بعيداً، متخذاً منها عنواناً مناهضاً لثبات المعنى. فالاختلاف – في رأي دريدا – يؤدي إلى تأجيل (إرجاء) المعنى. والنص – في نظره – تأجيل دائم للمعنى، لأنه لا يحيل على فكرة قاطعة، بل على لعبة دلالية.
وكعادته دائماً تلبث المؤلف أمام فرعيات نقدية بمصطلحاتها، وفي معالجة جاءت ضفيرة مجدولة من الجدية في المعالجة والعمق في التحليل؛ فإذا نحن نقرأ تحليله للمصطلحات الآتية: الأثر (Trace) ، والانتشار / الانتثار (Dissémination) والتعين (Dénotation) والتضمين (Connotation)لإشكاليات المعنى (Sens) والدلالة (Signification) والتناص (Intertexte) ، والتناصية (Intertextuality)، وذلك في ملاحقة مثابرة دؤوب لتفصيلات المعنى ودقائق المصطلح.
الباب الثالث : وقد جاء لمعالجة إشكالية الحد الاصطلاحي. وفيه توفر المؤلف على دراسة بنية المصطلح. وقد انشعب إلى فصلين:
الفصل الأول : ويعالج آلية الاصطلاح.وفيه يتغيا المؤلف دراسة «فقه المصطلح» حيث عالج: «المصطلح المشتق»، «المصطلح المجازي»، «المصطلح الإحيائي»، «المصطلح المعرّب»، «المصطلح المنحوت».
الفصل الثاني: ويقوم على دراسة مورفولوجية لإشكاليات الحد الاصطلاحي. وفي هذا الفصل توفر المؤلف على درس التعريب، وإشكالية رسم الحروف، والمعيار اللغوي وإشكالية الاصطلاح اللانحوي، والدلالة الاصطلاحية وإشكالية الصيغة الصرفية، وترجمة المصطلح، وإشكالية السوابق واللواحق، وإشكالية (الياء) بين الصفة والنسبة والمصدر الصناعي. ثم جاءت الخاتمة لتكون مُشْتملاً أَلَمَّ فيه المؤلف بما انتهى إليه في طوافه بإشكالية المصطلح في الخطاب النقدي الجديد.
وبعد أن أتيت على مفاصل العرض لأبواب الكتاب، أود أن أقف أمام ما تثيره أطروحته من قضايا تلامس – في الصميم – نظرية الترجمة؛ ولعلَّها من البواعث الحاملة على تأمل المشكل المصطلحي في النقد العربي الجديد. كذلك فالكتاب، على نفاسته، فيه من مسائل الخلاف ما يستوجب التلبث أمامها.
  • قضية الترجمة (ترجمة المصطلح):
تعددت الترجمات العربية للمفهوم الوافد الواحد تعدداً لافتاً؛ حيث ترجم مصطلحا (Paradigmatique) و (Syntagmatique) بما لا يقل عن أربعين مكافئاً عربياً، كما ترجم مصطلح (Déviation) ، (Ecart) بما يتجاوز الأربعين مكافئاً، وترجم مصطلحا (Sémiotique) و (Sémiologie) بست وثلاثين ترجمة، كما ترجم مصطلح (Poetique) باثنتين وثلاثين. وإلى جانب ذلك،فإن لمصطلح (Linguistique) أربعة وعشرين بديلاً. كما تترادف أربع عشرة ترجمة كاملة على مصطلح (Structuralisme)، وخمس عشرة ترجمة على مصطلح (Thème).
وباستعراض البدائل المصطلحية التي اقترحتها الترجمات العربية لمصطلح (Déconstruction)نلاحظ أنها بلغت عشرة مقترحات: (التفكيك، التفكيكية، التشريح، التشريحية، التقويض، التقويضية، نظرية التقويض، النقضية، اللابناء، التهديم، التحليلية البنيوية).
وفي تحليل ماتع يتعقب المؤلف حيثيات عدول «عبد الملك مرتاض» عن مصطلح «التفكيك» أو «التفكيكية» إلى مصطلح «التقويض» أو «التقويضية» التي يخص بها المصطلح الفرنسي (Déconstructionisme)من باب «أن أصل المعنى في فلسفة دريدا تقويض يعقبه بناء على أنقاضه، على حين أن معنى التفكيك في اللغة العربية يقتضي عزل قطع جهاز أو بناء عن بعضها بعض دون إيذائها، أو إصابتها بالعطب، كتفكيك قطع محرك أو أجزاء بندقية وهلم جرا… والخيمة في العربية تطنب إذا بُنيت، و(تقوّض) إذا أسقطت أعمدتها وطويت. وقد جاء هذان المعنيان متلازمين في بائية أبي الطيب المتنبي (إشكالية المصطلح… ص ٣٤٧).
أما مصطلح (Intertext) Intertexte، (Intertextuality) Intertextualitésفقد تعددت ترجمات هذا الحد الاصطلاحي الأجنبي (المُصدَّر بالسابقة اللاتينية (Inter) الدالة على البينية “Entre = “بكل ما تتضمنه من أشكال التفاعل والتداخل والاشتراك، حتى تجاوز عددها عشرة مصطلحات: (التناص، التناصية، التناصصية، التضمين النصي، التداخل النصي، المداخلة النصوصية، تداخل النصوص، النصوص المتداخلة، البنيصية، بين نص، تفاعل النصوص». أضف إلى ذلك تنويعات اصطلاحية أخرى للمصطلح نفسه، من نحو مقترح «محمد بنيس» بـ «هجرة النص» أما يوسف وغليس فقد قدم مقترحين: (النصوص المتقاطعة) وقد اشتققها من (تقاطعات النص) التي شرحها «عز الدين المناصرة» (في جمرة النص).
أما المصطلح الآخر، «التناسخ النصي» فقد تحقق في هذا المصطلح «صدر العلم» (Background)، وفي تأثيله لحيثيات «سبك / سك» المصطلح حيث بدت له في المصطلح المقترح ذاكرة معرفية وطاقة دلالية قويتان؛ بحكم الدلالة اللغوية للنسخ (الكتابة، النقل، الإزالة، الإبطال)، والمرجعية الدينية؛ حيث يُحيل التناسخ على مفهوم التقمص أو تناسخ الأرواح في الثقافة المسيحية، كما يُحيل على فكرة الناسخ والمنسوخ في الثقافة الإسلامية ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأتِ بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦]، والمرجعية اللغوية للنواسخ في النحو العربي منها تحيل – وهذا هو الأهم – على المفهوم النقدي التناصي «البارتي» [نسبة لـ «رولان بارت»]الذي يجعل من النّاصّ (المؤلف) مجرد ناسخ “Scribe” (Scripteur) بالإنكليزية.
ومن أسف أن المؤلف أعرض عن طرحه لافتقاره – فيما يرى – لقوة التداول والاستعمال. وإن كنتُ أؤثر هذا المقترح على غيره من المقترحات التي عرض لها. ويُحمد للمؤلف أنه يُخضع هذه المقترحات للنقد المصطلحي، معتمداً على ركائز مرفولوجية أو دلالية على أنه – مرتكزاً على منطق المفهوم المصطلحي – يصطفي ترجمة المصطلحين بإحدى الطريقتين: إما بالتناص (Intertexte) والتناصية (Intertextualité) للحفاظ على الفوارق الدقيقة/الرهيفة بين المفهومين؛ ما دام الأول ينصرف إلى مجرد استحضار النصوص الغائبة التي ترتسم في أذهاننا حين قراءة نص حاضر مائل أمامنا (ومنه يقترح تسمية تلك النصوص الغائبة المضمنة في النص الحاضر «ذاكرة النص»)، أما الثاني فيتجاوز فعل الاستحضار والتذكر التي تتبع تحولات الغائب في الحاضر، وقراءة الحاضر على ضوء الماضي الذي يستذكره ويحيل عليه، وتحديد أنماط التفاعل النصي ومستوياته، والوقوف على أيديولوجية النص من خلال المرجعية النصانية التي ينبني عليها.
وعلى مقربة من مصطلح «هجرة النص» يستوقف المؤلف: (النصوص اللواقح). وهو مصطلح من تقانة «الطاهر الهمّامي» أورده في نطاق حديثه عن حضور النصوص المشرقية الغائبة (الأدبية، الدينية، التاريخية، الجغرافية) في أشعار لسان الدين بن الخطيب التي تتعمد استحضار «نصوص بعينها حتى لكأنها نصوص لواقح لا يستوي النص المغربي إلى (هكذا) [إلا] بحلولها فيه (يوسف وغليس 408)، وتعلن التناص معها بوصفها «العيار» الذي به تقاس الجودة واللقاح الذي منه يستوي أمر القصيدة في القرن الثامن الأندلسي عند ابن الخطيب وأضرابه.
ويمضي المؤلف في تأثيله للمصطلح، حيث يذهب إلى أن (النصوص اللواقح) – في ذاتها – تُخفي نصاً قرآنياً غائباً: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين﴾ [سورة الحجر، الآية: ٢٢] يحيل على «الرياح اللواقح» التي تُلقح السحاب فيتنزل ماء يسقى، وبقياس هذه على تلك تغدو (النصوص اللواقح) رياحاً مرسلة على النص تشبعه ماء ورواء، تحييه وتجدده، إنها مصل إنتاجي مضاد للعقم، حاضن للابتكار.
وهذا تأكيد ضمني آخر على أن المتناصات (Intertextes) هي ماء حياة النص الإبداعي. وهذا التحليل يلتقي ومقولة الغذامي: (النص ابن النص) حيث تدخل النصوص في شجرة نسب طويلة ذات صفات وراثية وتناسلية؛ فهي تحمل صبغ (جينات) أسلافها، كما أنها تتمخض عن (بذور) لأجيال نصوصية تتولد عنها.
  • قضية المصطلح النقدي الجديد في ضوء نظرية الترجمة :
إن المصلح النقدي الجديد نتاج الثقافة الغربية المعاصرة؛ وتلك تأوي إلى ركن شديد من الفلسفة الغربية المعاصرة التي تعد الحاضن لها؛ وبها تعتصم. ومن بعد، انتشر المصطلح لدى النُّقّاد واللسانيين. وهذا يعني أنّ أي حركة نقدية عظيمة لا بد أن تسندها حركة فلسفية عظيمة. ويلوح للناظر في المشهد النقدي الجديد أن المصطلح النقدي الجديد ثمرة ثقافة المصدر (الغربي). والسؤال: أليس ذلك بكافٍ لكي نحاول أن نتعرف علّة افتقاد التكافؤ بين المصطلح في ثقافة المصدر؛ مقارنة بانتقاله إلى ثقافة الهدف؛ أو الثقافة المستقبِلة؟
أحاول أن ألتمس إجابة عن هذا التساؤل بالاختلاف إلى نظرية الترجمة لدى منظِّريها.
عرض توري “Gideon Tory” لنظرية التكافؤ في الترجمة. وذهب إلى أنها ظلّت على حالها دائماً من كونها ذات «نزعة توجيهية» (Directive) و«معيارية» (Normative) لأنها لا تعترف إلا بـــ «الأمثلة الصحيحة» (Correctinstances) و«الأنماط» (Types). ووفقاً لهذه النظريات تقاس صحة الترجمة وكفاءة المكافئ في نص اللغة الثانية دائماً بدرجة توافقه مع النص – المصدر، ويكون ذلك بإعادة تركيب جميع السمات الوظيفية «ذات العلاقة» في النص – المصدر، سواء كانت هذه السمات عناصر لسانية أو أدبية. ويُفْهم من ذلك تقليدياً أن متطلبات الترجمة يحددها النص – المصدر، ونتيجة لذلك كان من الضروري أن تكتسب هذه المتطلبات صفة المثالية. أما نظرية توري، فإنها تعارض النظريات التي تقوم على أساس التطابق المفرد المتوحد والمجرد [بين النصين]، أو على أساس التأويل الصحيح لأداء متعادل بينهما. إن طرازه مؤسس على الاختلاف، وهو يسلم بوجود الاختلافات البنيوية بين اللغات «فكل نسق لساني، أو تقليد من التقاليد النصية منفردين أو مجتمعين «يختلف» عما سواه من حيث البنية، والمخزون (Repertory) ، ومعايير الاستعمال.. إلى آخره». ويفترض توري وجود قطبين افتراضيين: أحدهما للمقبولية التامة في الثقافة المستهدَفة على أقصى الطرف، والثاني لتمام الوفاء بالنسبة إلى النص المصدر (Total adequacy)على الطرف الأقصى الآخر، ومن ثم يحدد توري موقع الترجمة بأنها دائماً في الوسط: فليس ثمة بحال ترجمة يمكن أن تكون «مقبولة» كل القبول في الثقافة المستهدفة، لأنها دائماً تقدم معلومات وأشكالاً جديدة تفعل فعل التعجيب في ذلك النص، كما أنه ليس ثمة بحال ترجمة تتصف بتمام الوفاء للنسخة الأصلية، لأن المعايير الثقافية تدفع إلى إحداث التغييرات البديلة (Shifts)مع تبني النص – المصدر. وقد كانت السمة الغالبة – تاريخياً – على نقد الترجمة هي النزوع إلى تتبع أخطاء المترجم، لأن النص الفعلي لا يمكن بحال أن يوافق المقاييس المثالية التي يفرضها هذان القطبان المجردان…
غير أن توري عندما تأمل الترجمة من منظور الثقافة المستهدفة ذهب في حجاجه إلى أن التكافؤ في الترجمة ليس نموذجاً افتراضياً، ولكنه مسألة اختبارية (إمبريقية). إن العلاقة بين النص – المصدر، والنص المستهدَف ربما تعكس – أول لا تعكس – العلاقة المجردة المفترضة بينهما، إلا أن النص المترجم موجود بما هو مُنتَج اصطناعي لكي يُحِلّ محل النص – المصدر صيغة مقبولة في الثقافة المستقبِلة» (إدوين غينتسلر: في نظرية الترجمة، ترجمة سعد مصلوح: 300 – 302).
وعلى هذا، فإن التحدي الذي يواجه المترجم في لغة النص الهدف TL text تتطلب منه معرفة بالإطار Frame المتمثل في خبرة القارئ/المترجم والكامنة في الذاكرة البعيدة المدى Long Termmemory ، وكأني بالمترجم يمتح من معرفته بـ «المتبقي» الاجتماعي الثقافي/أو يكون لديه صدر علم بالنسق الاجتماعي الثقافي socio-cultural background.
وبمقارنة جشطلتية … ومن ثم، فلا بدع في أن يصف منظرو الترجمة عملية الترجمة بأنها خلق أو إبداع معرفي Cognitive Creatirn ،
(See: David Katan, Translating Cultures, St. Jerome Publishing, U.K, 1999, P. 124, 125)
ويلوح مما سبق أن الجهود المصطلحية ينبغي أن تعتمد استراتيجيتها ثقافة «حضور الماضي»؛ لأن المصطلح النقدي بحمولته الدلالية تتطلب الوعي، لا بما يعنيه في ثقافة المصدر، فحسب، بل كذلك بما يحمل من دلالة في ثقافة النص المستهدَف؛ وهذا يتحقق بإحياء ثقافة الحوار مع الماضي، بإحياء الجذور التي تمتد شجرتها وأغصانها اليانعة في الحاضر، وفق رؤيتنا لهذا الموروث، ومدى قدرتنا على الإفادة من عطائه.
وغير بعيد من هذا القول؛ نمكث مع ما أثاره المؤلف من قضايا في محاولة لقولة إنصاف في مسائل الخلاف:
١ – الموقف من المصطلح الإحيائي
عوَّدنا المؤلف تحديد المفهومات المصطلحية عند معالجته للإشكاليات التي تطرحها هذه الدراسة العلمية الجادة – وتلك آية الروح العلمية التي يتحلى بها – فهو يبدأ بتحديد معنى «الإحياء» (أو التراث لدى آخرين) ويتلقف تعريف المسدي وعلي القاسمي بأنه: «ابتعاث اللفظ القديم ومحاكاة معناه العلمي الموروث بمعنى علمي حديث يضاهيه» وهو – بتعبير آخر – مجابهة الحاضر باللجوء إلى الماضي، للتعبير بالحدود الاصطلاحية التراثية عن المفاهيم الحديثة، من باب أفضلية «العودة إلى التراث لاستكناه مصطلحاته والاستفادة منها في التعبير عن أغراضنا المستجدة» (إشكاليات… ص 85). وبعد مناقشة لما أثارت ندوة (توحيد منهجيات وضع المصطلح العربي) 1981 ينتهي إلى أنه يسلّم بالوسيلة الإحيائية في ذاتها، على أنه ينبِّه إلى ما يحف بها من مزالق. وفي موضع آخر من كتابه يرى أن «محاولة إحياء الرميم الاصطلاحي المتناثر في تراثنا النقدي لمجابهة المعرفة النقدية التي تحملها المصطلحات الأجنبية الوافدة، هي محاولة عسيرة، بل معجزة أحياناً، قد ينقلب فعلها على الفاعل» (م.ن ص 452).
والواقع أن هذا القول – على إطلاقة – بحاجة إلى نظر. ففي داخل هذا الرميم قد تكون هناك جمرة حميمة كامنة؛ في انتظار من ينفخ فيها الروح ويعيد إليها الحياة. ونحن أحوج ما نكون إلى إحياء الذاكرة الثقافية، وأن يكون التراث مُكَوِّناً فاعلاً في كياننا الثقافي والروحي. وإن رؤيتنا السليمة للتراث، قد تعيننا في كثير من الأحيان على تمثل بعض القضايا التي تعترض طريق التجديد نفسه. ومن ثم، فعلينا أن نعالج المصطلح التراثي بعين من يؤمن بحضور الماضي في الحاضر([5]) ؛ وليس مضيه فحسب، على حد تعبير إليوت، وأن نكون على وعي أن بوّابة المستقبل أو التجديد هي قتل القديم بحثاً. وهنا تكون النظرة «الرجعية» (بالمعنى الذي أشار إليه عبد الرحمن شكري) هي عين التقدم والنهضة.
فليست العودة أو الرجوع إلى الماضي «نكوصاً أو دفاعاً سيكولوجياً» لإشكالية الخطاب النقدي (م.ن. 458) كما يذهب المؤلف. ولا يعني هذا القول – إذا فهم القارئ أطروحات المؤلف الممتدة على مدار البحث – أنه ممن يؤمنون بالقطيعة المعرفية والماضي؛ وإلا فكيف نُفَسِّر تلقفه لمصطلح نقدي قديم – مصطلح «التسويم» للناقد الفذ «حازم القرطاجني» في منهاج البلغاء (م. ن 253) واعتماده مصطلحاً نقدياً. وليس الخطر الحقيقي – كما يقول عز الدين إسماعيل بحق – في التنقيب في القديم، ولا في الإيغال في البحث عن الجديد، وإنما الخطر كامن دائماً في عمليات التزييف التي قد تصحب استقبالنا للجديد ونظرتنا للقديم. وليس من المنطق أن نبدأ من نقطة الصفر المنهجي، ونفرط في عطاء أربعة عشر قرناً من النتاج اللساني المتميز.
٢ – عن الشعرية
في تساؤل المؤلف: ما هي الشعرية؟ يجيب: «إنه – في واقع الحال – لمن العبث بمكان أن نبحث عن مفهوم ناجز وتصور واضح لهذا الحد الاصطلاحي (بصيغة المصدر الصناعي) في تراثنا النقدي العربي القديم، وما دام الأمر كذلك، فإن من المسلمات – إذن – أن يكون هذا الحد مشبعاً بمفهوم وافد من الثقافة الأوروبية؛ حيث تسعى «الشعرية» إلى أن تكون بديلاً مكافئاً للمصطلح الفرنسي (Poétique) أو الإنكليزي (Poetics) » (إشكالية الخطاب النقدي… ص 272).
وأرى أن مصطلح «الشعرية» ليس بجديد على الخطاب النقدي العربي القديم، فقد احتضنه الفكر الفلسفي والنقدي عند الفارابي (رسالة في قوانين صناعة الشعر: 150، 151) وابن سينا (فن الشعر من كتاب «الشفاء»: 162) وابن رشد: (تخليص كتاب أرسطوطاليس في الشعر: 209، 229).
وقد ارتبط مفهوم «الشعرية» في هذه المصادر بقضية الأثر النفسي للشعر وما يحدثه من التعجيب. فالتعجيب عند ابن سينا «مرتبط بالتخييل في الشعر مطلقاً، وبالوسائل التي تنفعل بها النفس، دون إعمال فكر أو روّية، فتنقبض عن أمور وتنسبط لأمور حسبما يريد الشاعر». (سعد مصلوح: حازم القرطاجني ونظرية المحاكاة في الشعر، عالم الكتب، 1980، ص 185) وقد تابع حازم ابن سينا في القول بأن التخييل يتغيا تحريك النفس إلى طلب الشيء أو الهرب منه» (م. ن. ص 186). فالشعر: «من شأنه أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها ويكره إليها ما قصد تكريهه لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه» (المنهاج: 71 والنقل من مصلوح ص 186) وأن هذا «إنما يتأكد بما يقترن به من إغراب، فإن الإغراب والتعجيب حركة للنفس إذا اقترنت بحركتها الخيالية قوي انفعالها وتأثرها» (م. ن).
وفكرة «التعجيب» الناجم عن الأثر النفسي للشعر – وهي في أساسها فكرة أرسطية – كانت الفكرة – المدار عند الفلاسفة المسلمين. وفي دراسته الرائدة عن «حازم القرطاجني ونظرية المحاكاة والتخييل في الشعر» (عالم الكتب؛ 1980) تلقف «سعد مصلوح» الفكرة من «ابن سينا» وتابعها عند «حازم». ومن بعد، جاء الغذامي في كتابه «ثقافة الأسئلة (دار سعاد الصباح: 1993) ليعتمد المصطلح وإن وضعه في سياق آخر.
واللافت أن المؤلف في حديثه عن مصطلح الأثر (Trace)يشير إلى منهج الغذامي في تعاطي النص: «… ومدخلنا لقراءة أي نص أدبي يجب أن يكون من خلال ذلك الأثر الذي به يتحقق (الفعل والانفعال) أو (العجب) حسب تعبير الشيخ الرئيس» (ثقافة الأسئلة، ص 73 والنقل من يوسف 366). وعلى ما بين الناقدين من اختلاف في سياق توظيف مصطلح التعجيب؛ الذي هو مناط مفهوم الشعرية لدى الفلاسفة المسلمين، وعلى رأسهم «ابن سينا» يبقى المثال – المصطلح – دالاً على ميل الميزان إلى غير ما ذهب المؤلف في مبحثه المشار إليه آنفاً.
٣ – من «المصطلح المجازي»
الناظر في مبحث «المصطلح المجازي» يشعر بمفارقة بين معالجة المؤلف المتميزة وبين العنوان، لاسيما إذا وضعنا التعريف الذي ارتضاه للمصطلح النقدي بأنه: «رمز لغوي (مفرد أو مركب) أحادي الدلالة، منزاح نسبياً عن دلالته المعجمية الأولى، يعبر عن مفهوم نقدي محدد وواضح، متفق عليه بين أهل هذا الحقل المعرفي، أو يرجى منه ذلك». (إشكالية المصطلح… ص 24).
وإذا وقفنا أمام لفظة «المجاز» فإنها تستدعي التعريف الاصطلاحي للمجاز. ففي «التعريفات»: «المجاز: ما جاوز وتعدّى عن محله الموضوع له إلى غيره لمناسبة بينهما، إما من حيث الصورة أو من حيث المعنى اللازم المشهور، أو من حيث القُرب والمجاورة، كاسم الأسد للرجل الشجاع، وكألفاظ يكنى بها الحديث»([6]).
وقال عبدالقاهر: «المجاز مَفْعَل من جاز الشيء يجوزه إذا تعداه، وإذا عدل باللفظ عما يوجبه أَصْل اللغة وصفه بأنه مجاز على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلي، أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولاً» وقال: «وأما المجاز فكل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول فهي مجاز. وإن شئت قلت: كل كلمة جزت بها ما وقعت له في وضع الواضع إلى ما لم توضع له من غير أن تستأنف فيها وضعاً لملاحظة بين ما تجوز بها إليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها فهي مجاز([7]).
وعلى الرغم من أن المؤلف يرتكز، في تعليله لاصطفاء هذا المصطلح؛ على ابن جني في قاعدته: «المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة.. لينطلق إلى أن الكلمة «إذ تستقر على هذا المعنى المجازي – كأنما تكتسب معنى حقيقياً جديداً، وتتحول من «كلمة» إلى «مصطلح» (إشكالية الخطاب النقدي، ص 84)، فإن القارئ يشعر بأن سك تعبير «المصطلح المجازي» لم يرقَ إلى درجة الحد «الجامع المانع» لاسيما عندما نجمع بين دلالة لفظة (المصطلح) ودلالة لفظة «المجازي».
٤ – عدم تحرير النسبة لبعض المصطلحات :
يقول المؤلف – نقلاً عن محمد رشاد الحمزاوي في كتابه: «المصطلحات اللغوية الحديثة في اللغة العربية» -: «… بينما وجدنا مجمع اللغة العربية بالقاهرة يثبت مصطلحاً إشكالياً آخر هو «السيمية». والمؤسف أن هذا المصطلح رغم أنه قرر سنة 1962 ، [التمييز من عندي] إلا أن لا أحد أخذ به» (إشكالية المصطلح… ص 235) ثم يعلق قائلاً: «وهذه إحدى مشكلات المجامع اللغوية التي تحرص على النقاء اللغوي وتدير ظهرها للبُعد التداولي، ومن جهة ثانية فإن هذا المصطلح يلتبس بصيغة النسبة إلى مصطلح آخر (sème)في شكله المعرّب المألوف عند عامة السيميائيين العرب (التحليل السيمي: L’analysémique) الذي يتداخل مع نتيجة الاقتراح «المجمعي» (التحليل السيمي – L’analysémantique)» (م. ن، ص 236 – 237).
والاقتراح المجمعي الذي يشير إليه المؤلف، هو من قرارات المجمع اللغوية. وكان الأستاذ «عباس محمود العقّاد» ألقى بحثاً بعنوان «السيمية» في الجلسة الثالثة لمؤتمر المجمع في دورته الثامنة عشرة. وانتهى مجلس المجمع في الجلسة السابعة والعشرين: (26 من مايو/1952) وليس 1962، كما ذكر المؤلف نقلاً عن الحمزاوي – إلى قرار وافق عليه المجلس؛ وتسبيب القرار هو: «يرى المجمع الأخذ باستعمال كلمة «السيمية» وإطلاقها على البحث الحديث المعروف عند الغربيين بكلمة Semantics. أما استعمال «علم الدلالة» فقد يوقع في اللبس الذي ينشأ من اشتراك المعنى بين عدة أغراض. وقد وضعت مباحث السيمية لاتقاء مثل هذا اللبس» (مجلة مجمع اللغة العربية، الجزء الثامن، ص 447). أما طرح قضية حرص المجمع على النقاء اللغوي في هذا السياق تحديداً، فهي عراك في غير معترك. فبحث العقاد «وثيقة مادية تؤكد انفتاح مجمع اللغة العربية على المنجز المصطلحي الجديد (سنة 1952 وليس سنة 1962)، وفاتحة البحث لافتة. «موضوع هذه الكلمة مبحث جديد تشتغل به طائفة من الغربيين يبحثون في المنطق واللغة وأساليب التعبير، ويسمون مبحثهم بالسيمية من كلمة Sematic أو Semantic أو Semasiology وكلها مأخوذة من كلمة Sema اليونانية بمعنى علامة أو رمز أو إيماء». (نشر هذا البحث في مجلة مجمع اللغة العربية، القاهرة، الجزء التاسع، 1975، ص 14 – 18).
وهذا المقتبس إقرار بريادة العقاد في سك المصطلح. وهذا المصطلح مقبول مع الإقرار بوجود خلط في المكافئ الأجنبي بإقحام المصطلح Semantic = علم الدلالة) في سياق الكلام على السيمية، مع ما بينهما من عموم وخصوص.
وعلى مرمى حجر من جهود «العقاد» في تأثيل مصطلح «السيمية» تلوح جهود «إسماعيل مظهر» في معالجة قضايا آليات فقه الاصطلاح وإمساسها مورفولوجياً، لاسيما المصطلح المعرّب، المشتق، المنحوت؛ ما يلقي الضوء على (ماضي) البحث في المشكل المصطلحي. (انظر: إسماعيل مظهر: تجديد العربية بحيث تصبح وافية بمطالب العلوم والفنون، مكتبة النهضة، د. ت، ص ص 6، 8، 56). ومقال إسماعيل مظهر: من أسرار العربية – تعليل بناء الكلمات الفصيحة بالنحت والزيادة، المقتطف، مارس 1940، ص 293 – 299، وتعليق أنيس فريحة، المقتطف مايو 1940، ص 568 ، 569).
5 – موقف المؤلف من الأسلوبية / علم الأسلوب
في فاتحة الفصل الثاني: «الحقل الأسلوبي» يطالعنا المؤلف بالعنوان الآتي: «تاريخ الأسلوبية – الميلاد والوفاة (1909 – 1969)!» (إشكالية المصطلح، ص 175، ص 178) ولا يغيب عن المؤلف أن يستحضر مفهوم العلم لغة بما هو (المعرفة، والخبرة والشعور والدراية والإدراك) واصطلاحاً: «مجموع مسائل وأصول كلية تجمعها جهة واحدة» (م. ن. ص 39، 40).
على أن المؤلف يعيد النظر في إشكالية علمية الأسلوب. ليؤكد أن إعلان هذا الموت لا يخص إلا نفراً من الباحثين، وهو ما يجعل الحكم بالإعدام قابلاً للاستئناف، على نحو ما فعل جورج (مولنييه G. Molinié).
لكن عند الحديث عن الأسلوبية يتراءى للقارئ وكأنها باتت عارية من المسائل أو الأصول، وأنها تجردت من أسئلة العلم، وهو قوام وجودها. وهذا لم يحدث. لسبب واضح، وهي أنها من علوم العربية. وتلك هي العلوم المتعلقة باللغة العربية، كالنحو والصرف والبلاغة، وتسمى بعلم الأدب. ومن الخطأ أن ننظر إليها بمعزل عن روافدها التي تغتذي منها. ولعل النظرة في عنوان كتاب «السكاكي»: مفتاح العلوم «تؤكد أنه لم يكن يقصد البلاغة فقط، ولكن منظومة علوم اللغة؛ من النحو والصرف والعروض وعلوم البلاغة (البيان والمعاني والبديع). وكذلك «المرصفي» في كتابه: «الوسيلة إلى علوم العربية. إن هذه العلوم جميعاً متآخذة، متضافرة، تتساند ولا تتعارض، يغتذي بعضها من بعض لتكون تاجاً لـ «علم النص».
وإذا كانت البلاغة، ومناط بحثها «الجملة»، وعلم المعاني خاصة، هو النمط العالي من النحو. والنحو نفسه، نحو الجملة، هو علم معياري. وعلى الرغم مما قيل من أنه علم نضج واحترق على القول المأثور، فإنه يبدو كطائر الفينيق يجدد نفسه.
وما يقال عن البلاغة وركيزتها نحو الجملة، ينسحب على علم الأسلوب، ومناط بحثه النص كاملاً/بتمامه. ومن ثم تأتي الأسلوبيات اللسانية في معالجتها للنص وقد اعتمدت مصطلح الاعتماد النحوي Grammatical/Dependencyوذلك من خلال شبكة هرمية متداخلة من الأنواع:
١ – الاعتماد في الجملة                       intra-sential
٢ – الاعتماد فيما بين الجمل                 inter-sential
٣ – الاعتماد في الفقرة أو المقطوعة.
٤ – الاعتماد فيما بين الفقرات أو المقطوعات.
٥ – الاعتماد في جملة النص.
وما سبق يفضي بنا إلى النظر في«الأسلوب» بما هو علم، وما ينبغي لنا أن يكون معيارنا منظار «علم الأحياء»، بحيث يبدو وكأنه «حيوان أميبي وحيد الخليّة، محكوم عليه بالانقراض. على أن المؤلف، وهو صدد تقويم الجهود النقدية التطبيقية أشاد بجهود «سعد مصلوح» في الاتجاه الأسلوبي الذي يُعرف لدى الغربيين بتحقيق نسبة النص إلى المؤلف (Critiqued’attribution)لكن القارئ يعجب من العبارة التالية لذلك مباشرة وفيها يقول: «برغم أن سعد مصلوح لا يدعي ذلك ولا يومئ إليه أصلاً» (إشكالية المصطلح…ص 188) والحق، فإن «سعد مصلوح» في النص الأدبي يعرض لمقياس يول في الفصلين الثالث والرابع من كتابه عرضاً مستفيضاً، وبيّن الأساس الإحصائي، وقدَّم في الكتاب عدداً من تطبيقات المقياس أثبتت قدرته على تمييز البصمات الأسلوبية للمؤلفين»([8]). ولم ينس «مصلوح» أن يشير إلى أن تاريخ هذا المقياس يعود إلى 1944، وإلى عدد من اللغويين ممن أسهم في صياغة هذه المقاييس، منهم جيرو Guriaud وجوزفين مايلز Gosephine Mils .
والواقع أن انشغال «سعد مصلوح» بالأسلوبيات الإحصائية، يعود إلى السبعينيات من القرن العشرين إبّان سنوات التحصيل العلمي في موسكووهو حريص على تحديث منهجه وإرهاف أدواته. وقد أثرى حقل اللسانيات النقدية بمصطلحات جاءت «جدائل» من «جداول» التراث والمعاصرة([9]).
بقيت ملاحظات شكلية بأخطاء طباعية، أوردها حرصاً على نفي الشوائب عن ذلك الوجه المضيء ومنها:
-         كلمة «وصمة» ص 65، السطر 22 الصواب «وسمه » كما يقتضي السياق، وكلمة «ترف» ص 111 والصواب: «اعترف» السطر الأول. وفي ص 119 «زكريا إبراهيم» وليس «إبراهيم زكريا»، وفي هامش الصفحة نفسها الهامش رقم (2) إشارة إلى كتاب المؤلف «الخطاب النقدي عند عبد الملك مرتاض»، وفي قائمة المصادر والمراجع يرد في بند (ث – الرسائل الجامعية: ) . إشكاليات المنهج والمصطلح في تجربة عبد الملك مرتاض النقدية، مخطوط ماجستير، وواضح أن الكتاب المطبوع هو في الأصل الأطروحة المذكورة، فلماذا وُضع ضمن المخطوطات (ص 537) في حين كان الاعتماد على الكتاب المطبوع.
-         هامش رقم269، ص 532 تتقدمه والصواب «تقدمه»..
-         تكرار «كلما» ص 399 السطر الرابع خطأ شائع. وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً﴾.
-         ص 351 الفقرة الرابعة السطر الثاني: بالمفهوم «الدريدي» وليس«الدريري».
-         وفي ص 131 السطر 17 «تمام حسان» وليس حسان تمام.
-         وانسجاماً مع أطروحة البحث أؤثر كلمة (الجديد) بدلاً من (المعاصر)، ص 138 السطر 19 وكذلك في السطر 12، ص 150.
-         وفي ص 210 الفقرة الرابعة السطر الثاني عبد الملك مرتاض وليس المرتاض.
-         أحياناً يُغفل المؤلف اسم المؤلف في المتن والهامش، ويكتفي بذكر البيانات كاملة في قائمة المراجع على نحو ما جاء في هامش رقم 11 (المصطلحات اللغوية الحديثة في اللغة العربية)، ص 235 وهو ما يدفع القارئ أن يراجع القائمة بتمامها ليهتدي إلى المؤلف.
-         وفي ص 294 وخلاصة «أطروحة حازم» وليس «حاتم» السطر السادس.
-         وفي ص 378 الفقرة الثالثة السطر الثاني «القائم» وليس «الغاشم» وفي الصفحة نفسها الفقرة الرابعة السطر الأول «نهاية» وليس نهاة.
-         وفي ص 387 السطر الأول يقول للمؤلف: «وفي حوار نقدي نادر أجرته الدكتورة نبيلة إبراهيم (بجامعة كونستانس الألمانية الغربية في صنفة 1984) مع أحد أقطاب نظرية التلقي و. إيزز (w. iser) والدكتورة نبيلة إبراهيم هي أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة.
-         في ص 408 السطر 12 «… لكأنها نصوص لواقح لا يستوي النص المغربي إلا بحلولها فيه» على نحو ما يقتضي السياق وليس «إلى».
-         في ص 443 السطر السابع: «العربي» وليس «العرى».
-         في ص 451 ٣ – المصطلح الإحيائي [عنوان الوحدة رقم ٣ ] وليس المصلح.
-         في ص 454 البند ٣ – ٣ السطر السابع: «على نحو» اختياري، على نحو ما يقتضي السياق، وليس «محو».
وما سبق من ملاحظات شكلية لا تنال من الجهد المبارك، الذي نهض به المؤلف لترويض أطروحة إشكالية الخطاب النقدي العربي الجديد التي عالجها النقد العربي الجديد ونقاده، أولئك الذين تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. فكل حزب من هؤلاء فرح بما اصطنع أو سك من مصطلح. لكن أشهد أن الباحث استطاع بما تحلى به من ثقافة عريضة وعميقة، وعناد لا يقدر عليه إلا من كان من ذوي العزم من الباحثين. أن يرود الطريق لمن يأتي من بعد، في طريق شائق وشائك. لقد استطاع المؤلف الفاضل أن يجسّد بهذا العمل البديع الفكرة التي كثيراً ما ألح عليها «يحيى حقي»: «النقد في جوهره «تسجيل وتبويب وتقويم وتبصير يلاحق ويسبق الأعمال الفنية التي تحاول الأمة أن تعبر بها عن نفسها.

هـوامـش  وتعليقات:
=========================
1 –        صدر العلم: يعني هذا المصطلح؛ في الموروث العربي، المعرفة السابقة بأصول العلم أو مبادئه Background .  وهذه الصياغة ثمرة من ثمار مجالس العلم بين سعد مصلوح وكاتب هذه السطور، حيث نفض عنه غبار الإهمال وأعاد إليه النضارة والرونق في إحياء المصطلح القديم، وجعله سكناً ومستقراً للمصطلح الإنكليزي Background وقد رأيت طرح مقترحه للتداول بين الحكومة الأدبية.
2 –        في نشرة الأستاذ محمود شاكر لكتاب دلائل الإعجاز: «أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كَلِمٌ مفردة، وأن الفضيلة وخِلَافَها، في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها» عبد القاهر الجرجاني؛ دلائل الإعجاز، قرأه وعلَّق عليه محمود محمد شاكر ، مطبعة المدني، المؤسسة السعودية بمصر، ط. الثالثة 1992، ص 46.أما الطبعة التي اعتمد عليها المؤلف،فهي نشرة محمد التنجي، ط. الثالثة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1999، ص 54، وفيها اعتمد التنجي على تحقيق الإمام محمد عبده، وأشار إليها الأستاذ شاكر بـ «المطبوعة» وجاء في صفحة 46 الهامش رقم (4): «في المطبوعة»: «وأن الألفاظ تتثبت لها الفضيلة وخلافها»، وهو غير جيد». والرأي للمؤلف إن ارتضى – كما ارتضيت – قراءة الأستاذ شاكر.
3 –        تقوم أطروحة لوسيان جولدمان: «نحو علم اجتماع الرواية» على بيان التماثل بين تطور الموضوعات الروائية وتطور البناء الاقتصادي للرأسمالية. وجولدمان يلح على أن اختفاء قيمة «الفردية» بدخول الرأسمالية إلى مرحلتها الاحتكارية، يتطابق مع تغير الشكل الأدبي للرواية. انظر: علا مصطفى أنور: رؤى العالم في الأعمال الأدبية، دراسة لمنهج لوسيان جولدمان، القاهرة، المجلة الاجتماعية القومية، المجلد السابع والعشرون، العدد الأول، يناير 1990، ص ص 102، 133.
السيد يس: التحليل الاجتماعي للأدب، الطبعة الثالثة، القاهرة، دار العين للنشر 2007، ص ص 31، 32، 35، 38.
4 –        مصطلح: «رؤية العالم» World Viewأو النظرة إلى العالم، أو استشراف العالم في صورته الألمانية Weltanschauung يقصد به: «كل الأفكار والتصورات التي تقوم على أساس الافتراضات التي يسلّم بها أعضاء مجتمع من المجتمعات، عن طبيعة العالم، وأسس وجوده، وموقف الإنسان من هذا الوجود، ليس من وجهة نظر الباحث، ولكن حسب تصورات أعضاء ذلك المجتمع أنفسهم» انظر: المجلة الاجتماعية القومية، م. س، ص ص 56، 66، 67.
ومن اللافت أن «مجلة عريقة – المقتطف – حملت لواء التنوير والدعوة إلى النظرة العلمية للواقع والانفتاح على الغرب، التفتت إلى أهمية الوعي بدور الماضي في بناء الحاضر. فهو بوابة المستقبل، على نحو ما تقرأ هذا المقتبس:
«إذا شبهنا عقول الناس بنقوش تراكبت فيها المعتقد فوق المعتقد تراكب اللون فوق اللون، كان من مهام العقل البشري أن يفقه تاريخ حياة هذه المعتقدات، ولماذا وجدت، وهل من حقها أن توجد؟ أم أنه ينبغي أن تنبذ وتُهمل؟ وما هي تلك الموجات الفكرية العظيمة والآمال المتوثبة التي خلفت من ورائها تلك الرواسب المتراكمة؟… وما قيمة الأشياء التي خلفتها للعصر الحاضر،…
إذا انتهى المرء إلى معرفة المواد التي تهيئها له الدنيا الحافة به، بقي عليه أن يستوعب الماضي، ويعرف أثره في الحاضر، ثم يتفهمه ويحكمه، حتى تكون له السيادة عليه». المقتطف، القديم وأثره في الحديث، أغسطس 1945، ص 334.
5 –        عن حضور الماضي في الحاضر أو العلاقة بين التراث والمعاصرة، انظر:
-         سعد مصلوح: «العربية من نحو الجملة إلى نحو النص» الكتاب التذكاري لجامعة الكويت، دراسات مهداة إلى ذكرى عبد السلام هارون، 1990، ص 423.
-         شكري محمد عياد: جسور ومقاربات ثقافية، تحرير وإشراف أحمد إبراهيم الهواري، الطبعة الأولى، القاهرة، دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية، 1995، ص 27 – 36.
-         شكري محمد عياد، الرؤيا المقيدة، دراسات في التفسير الحضاري للأدب، الطبعة الأولى، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القسم الأول ص 5 – 59.
-         تجارب في الأدب والنقد، الطبعة الثانية، القاهرة، أصدقاء الكتاب للنشر والتوزيع 1994، ص 11، 15، 25.
-         نحن والغرب، القاهرة، كتاب الهلال، سبتمبر 1990، ص 8، 83، 88.
-         على هامش النقد،القاهرة، أصدقاء الكتاب للنشر والتوزيع 1993، ص 52، 70، 73، 76.
-         دائرة الإبداع مقدمة في أصول النقد، القاهرة، دار إلياس العصرية، 1986، ص 128.
-         فهمي جدعان: الماضي في الحاضر، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1997، ص 439.
-         فهمي جدعان: رياح العصر، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2002، ص 315، 464.
-         فؤاد زكريا: التخلف الفكري وأبعاده الحضارية، بحث قدم في ندوة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي» أبريل 1974، الطبعة الأولى، الكويت 1975، ص 168.
-         محمد عابد الجابري: التراث والحداثة، الطبعة الثانية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، يونيو 1999، ص ص 15، 21، 45.
-         نحن والتراث، الطبعة الأولى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، مايو 2006، ص 15 – 19.
-         الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، التراث وتحديات العصر في الوطن العربي (الأصالة والمعاصرة)، الطبعة الثانية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1987.
-         عبدالرحمن شكري: الدين والأخلاق بين الجديد والقديم، الرسالة العدد 272، السنة السادسة 1938.
-         عز الدين إسماعيل: القديم والحديث يتساندان ولا يتعارضان، مجلة العربي، العدد 92 يوليو 1996.
6 –        الجرجاني: التعريفات، وضع حواشيه وفهارسه، باسل عيون السود، منشورات محمد علي بيضون، بيروت، دار الكتب العلمية 2000، ص 202.
7 –        أحمد مطلوب: معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، الطبعة الثانية 1996، بيروت، مكتبة لبنان ناشرون، 590.
8 –        سعد مصلوح: في النص الأدبي، دراسة أسلوبية إحصائية، الطبعة الثالثة، القاهرة، عالم الكتب، 2002، ص 227.
9 –        انظر : سعد مصلوح: في البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية – آفاق جديدة، القاهرة، عالم الكتب، 2006 لمصطلحي (السبك) Cohesion، و(الحبك) Coherence ، وقد ترجمه بالمقامية Situationalitys. وقد سبق أن ارتضى ترجمة نبيل علي لــــ «المقامية» بـــ (Pragmatic) ، نبيل علي: اللغة العربية والحاسوب، الكويت 1988، ص 19، والنقل من الكتاب التذكاري لـ «عبد السلام هارون». وقد أشاد بالترجمة الموفقة التي قام بها «تمام حسان» لمصلح Thematic Meaningبــ «المعنى الشأني». (م. ن).

بين النحو العربي واللسانيات البنوية الغربية: سؤال في المنهج

بين النحو العربي واللسانيات البنوية الغربية: سؤال في المنهج
إبراهيم طبشي
قسم اللغة والأدب العربي ـ جامعة ورقلة (الجزائر)

    كان اهتمام الأمم بعلم النحو كبيرا، فمن ذلك ما أثر عن اليونان و الهنود ولعل السبب في هذا الاهتمام يعود إلى أن هذا العلم هو الذي يضبط قواعد الألسن فيعصمها من الخطأ و الزيغ، وكل أمة حريصة على ذلك ولا شك، كما أن ارتباط هذا العلم بالكتب المقدسة ونشأته في أحضانها يعتبر من العوامل المهمة في الاحتفاء بهذا العلم وإيلائه مكانة كبيرة. و كتب التاريخ اللغوي تحدثنا عن أن الهنود قد اهتموا بالنحو بسبب حرصهم على كتابهم المقدس.
      و المتأمل في نشأة النحو العربي يجد أن هذه الأسباب هي نفسها كانت من وراء ذلك فالعرب قبل مجيء الإسلام كانوا يتكلمون العربية على السليقة وكانت العربية بسبب انعزال العرب وانحصارهم في شبه الجزيرة العربية في منأى عن كثير من المؤثرات اللغوية وبفضل ذلك استطاع العرب أن يحافظوا على نصاعة لغتهم ردحا طويلا من الزمن.
    ثم إن شبه الجزيرة العربية قد شهدت في القرن السابع الميلادي حدثا عظيما كان له أثره الكبير لا في واقع العرب ومحيطهم المعزول فحسب بل في أنحاء شتى من المعمورة أيضا، وتمثل ذلك في نزول القرآن الكريم واعتناق العرب للدين الجديد، ودخول أمم أخرى في هذا الدين مما ترتب عنه انفتاح المجتمع العربي على غيره من المجتمعات الأخرى، ومن هنا كانت بداية التفكير في إيجاد علم يحفظ ألسنة الناس من اللحن.
ولم يكن ذلك هو السبب الوحيد في ظهور هذا العلم، فالقرآن الكريم باعتباره وحيا من الله تعالى لا تستقيم حياة المسلم إلا بفهمه وتطبيقه، دعت ضرورة تعلمه إلى إيجاد أنواع مختلفة من العلوم لعل أبرزها علم النحو. 
    كانت هذه ظروف النشأة وعوامل التأسيس، وهكذا بدأت جهود أبي الأسود الدؤلي ويونس بن حبيب وأبي عمرو بن العلا وغيرهم من علماء النحو الأوائل. ولكن أكبر الأثر في هذا العلم كان من شخصية فذة استطاعت أن تضع بصماتها وأن يكون لها دور فعال في تطوير الدرس النحوي وهي شخصية الخليل بن أحمد الفراهيدي .وقد اتسمت جهود هؤلاء العلماء بالأصالة والجدة والابتكار "و الذي جعلنا نفكر في حداثة أفكار النحاة الأولين ممن عاصر الخليل وأتباعه وأصالتها خاصة (لأننا لا نزعم أبدا أنها مطابقة لأفكار علماء اللسانيات) هما شيئان اثنان :أولا الفوارق الكبيرة جدا التي تفترق بها أفكار أولئك النحاة عن الأفكار النحوية العربية التقليدية (مثل ما نجده عند ابن مالك مثلا وشروح مؤلفاته) فالتصور العلمي يختلف فيهما تماما. وأما الثاني فهو ما أجمع عليه الناس في وقتنا، فقد لاحظ كل معاصرينا أن الأفكار الأساسية التي بني عليهما التحليل عند الخليل هي رياضية محضة، فهذا شيء لا يتفق مع ما يتصوره اللسانيون في وقتنا الحاضر، فإن كان النحو العربي في زمان الخليل وسيبويه بدائيا بالنسبة للسانيات الحديثة فما هذا الاتجاه الرياضي الذي أجمع معاصرونا على الاعتراف بوجوده عند الخليل؟" (1)
 وإذن فإن الدارس لتراث الخليل النحوي وسواه من العلماء الأوائل وتلاميذه النجباء يجد البون شاسعا بين ما توصل إليه هؤلاء من أفكار ومفاهيم راقية وبين ما آلت إليه أحوال النحو العربي على يد المتأخرين من النحاة.
   ولعل المقابل للدرس النحوي في العصر الحديث هو ما تعارف عليه العلماء من علم اللسانيات "linguistiques" ، وليس المقصود هنا إلا ما جاء به العالم السويسري فرديناند دي سوسير من أفكار و مفاهيم جديدة قلبت الدراسات اللغوية رأسا على عقب، و كان لها أثرها العميق في اللسانيات الحديثة فيما بعد(2)،  ثم توالت جهود العلماء بعد ذلك فيما عرف بحلقة براغ و الجلوسيماتيكية أو السويسرية الحديثة و المدرسة الوصفية الأمريكية التي مثلها فرانزبواس، وادوارد سابير و ليونارد بلومفيلد. ونريد هنا أن نقف عند أهم الفروق المنهجية بين اللسانيات الحديثة و المدرسية البنوية منها بخاصة و بين النحو العربي كما أرسى قواعده وأصل أصوله الخليل وسيبوبه وأمثالها من العلماء الأوائل.
    وقبل أن نتطرق إلى أهم نقاط الاختلاف بين النحو العربي واللسانيات البنوية نتوقف عند أهم ما يتفق فيه العلمان:
يجمل الأستاذ عبد الرحمن صالح نقاط الاتفاق في ثلاث:
1- أن لكلا العلمين موضوعا واحدا وهو اللغة في ذاتها: فدراسة اللغة عند النحاة العرب والبنويين تهتم باللغة في ذاتها، ومن حيث هي هي أي من حيث كونها أداة للتبليغ أو التعبير عما يكنه الإنسان، فهي دراسة آنية لا زمانية، فكلاهما يتناول اللغة بالتحليل إلى أجزائها الكبرى و الصغرى وكلاهما يبحث عن كيفية تركيبها في بعض(3).
2- الانطلاق من واقع اللغة:   فالبنوية تريد أن تكون الدراسة بالاعتماد على مجموعة معينة من الخطابات يدونها اللغويون في عين المكان وفي زمان معين وأن يقتصر على هذه المدونة (corpus)   وحدها فلا يغير شيء منها، ولا يلجأ إلى الاستشهاد بغيرها. والأمر نفسه نجده عند النحاة العرب إذا لا يمكن أن يستشهد إلا بما هو ثابت لا يرد، وهو موجود في دواوين العرب التي دونها العلماء من الشعر و الكلام المنثور والأمثال، ولا يلجأ إلى غير ذلك.
ومما يترتب على ذلك هو الاعتماد الأساسي على المشاهدة، وهو السماع عند العرب مع معاينة أحوال الخطاب، فكل من النحاة و البنويين يجعلون المشاهد المسموع بالفعل هو مادة البحث و المنطلق لكل تحليل، وقد يحاول النحاة أن يفسروا هذا الواقع (المدونة) بوسائل عقلية قد لا تعرفها البنوية إلا أن الرجوع إلى السماع في كل محاولاتهم هو الأساس. أما فكرة المدونة اللغوية المغلقة فهي شيء اختصت به البنوية (4).
3- دورة التخاطب وظواهرها: من أهم ظواهر اللغة أنها أداة للتبليغ، و البنوية تحاول أن تفهم الظواهر اللغوية باللجوء إلى مبدأي الاقتصاد و البيان      . أما الاقتصاد فهو ميل إلى التقليل من الجهود العضلية و الذاكرية التي يبذلها في عملية التخاطب.وقد لجأ النحاة العرب أيضا إلى مبدأ الاستخفاف في تفسير ظواهر كثيرة مثل الحذف والإدغام والاختلاس، وتبين لهم أن بعض الحركات المحدثة للحروف إذا تتالت استثقلها الناطق كالخروج من الضم إلى الكسر أو ككثرة تتالي الحركات المصوتة وغير ذلك، أما البيان فهو ضد ذلك أي ميل المتكلم إلى تبيين أغراضه للمخاطب وتخوفه من أن يلتبس كلامه عليه بكثرة الحذف والاختصار وغير ذلك.
   ويعرف كل واحد ما يعيره النحاة الأوائل من أهمية للتخفيف من جهة و لرفع اللبس من جهة أخرى في تفسير ظواهر القلب والإبدال والإعلال و الحذف و غير ذلك، وهو من أعظم ما أنتجه فكرهم وأهمه بالنسبة إلى التفسير العلمي(5) .
       أما نقاط الاختلاف بين اللسانيات البنوية و النحو العربي فتتمثل في نقاط أولها المعيارية و الوصفية، فاللسانيات تصف نفسها بأنها وضعية و النحو العربي يوصف بأنه معياري، فما المقصود بالمعيارية و الوصفية؟ ولماذا كان النحو معياريا؟ وهل يمكن أن تسوغ هذه النزعة المعيارية في النحو العربي وتفسير تفسيرا موضوعيا؟
       نبدأ بتعريف المنهج الوصفي الذي ارتبط بظهور اللسانيات الحديثة وعد من إنجازاتها العلمية الباهرة، "فقوام هذا الأسلوب المنهجي هو دراسة الظواهر اللغوية في فترة زمنية محددة و بالوصف العلمي البعيد عن الأحكام المسبقة أو معايير الخطأ الصواب، لقد صار هذا الأسلوب سائدا لدى أكثر الدارسين اللغويين في كل أنحاء العالم منذ أن اكتشفت القيمة الحقيقية لمحاضرات دو سوسير أواسط هذا القرآن"(6). فإذا كان المنهج الوصفي في جوهره دراسة علمية للغة بعيدة عن معايير الخطأ و الصواب فإن موقف العلماء الأقدمين مختلف عن ذلك كما يرى كثير من اللسانيين المحدثين ومنهم الدكتور عبد السلام المسدي الذي يقول : " فالجامع بين المواقف  التي اتخذها الأسبقون حيال الظاهرة اللغوية في معيارها واستعمال الإنسان لها متجسم في أنها مواقف "تقويمية" تحرص على إرجاع المنحرف قويما والمعوج مستقيما، وفي أنها "تقييمية" تجرى أحكامها في ضوء سلم القيم الذي تستند إليه، وبهذا التقدير تنعت اليوم دراسات الأقدمين أو السالكين مسلكهم بأنها معيارية، والقصد أنها تحتكم إلى المعيار فترضخ الاستعمال إليه.(7)
  هكذا إذن هي النظرة إلى "المعيارية" في نظر هذا الفريق من اللسانيين، فهي موقف من اللغة تقويمي لا يسمح بالانحراف، تقييمي يستند إلى قواعد و أحكام مسبقة. فعلم النحو "لما كان جوهره معياريا يؤكد في ذاته قانون" ما يجب" فإنه يتضمن في منعطفاته بالاستتباع الحتمي إقرارا بأنه تقنين مغاير لـ"ماهوكائن" بالفعل أو لما هو صائر بالقوة، فالنحو إذن وازع يردع طبيعة الأمور في فطرتها الخلقية.  شأنه شأن كل القوانين الوضعية في الحياة الجماعية. ولذلك فهو محاولة تقيد حركة الصيرورة الزمانية، لذلك يجوز لنا أن نقرر بأن النحو- في تاريخ الحضارة العربية- هو موقف لا من اللغة ذاتها وإنها هو موقف من خصائصها الملازمة لها، وأبرز تلك الخصائص التغير والاستحالة، فالنحو إذن موقف من تغير اللغة وليس موقفا من الظاهرة اللغوية في حد ذاتها: لها أو عليها"8.
       و لكن فريقا آخر من اللسانيين العرب المحدثين يقوم بتسويغ  هذه المعيارية في النحو العربي و تفسيرها تفسيرا موضوعيا مقبولا، ذلك ما نجده عند الأستاذ عبد الرحمان الحاج صالح إذ يقول: " إن معيار اللغة ظاهرة من الظواهر وهي تخص سلوك الناطقين بها فلا يمكن أن تهدر في البحث بدعوى أن الحكم بالصواب والخطأ تحكم محض.فأين هي اللغة التي يقول عنها أصحابها كلهم أن الصواب و الخطأ اللغوي سيان عليهم، و أية لغة في الدنيا يخطئ الناطق بها عرضا في عبارة معينة فلا يقومه أحد من أصحابها؟ و أية لغة في الدنيا يمكن أن ينطق فيها الناطق بأي شيء بدا له دون أن يخضع لما تعارف عليه أصحابها"(9).
    المعيارية إذن سمة لازمة لأية لغة من اللغات، و لكن ما يجب التنبه إليه كما يشير إلى ذلك الأستاذ الحاج صالح هو الخلط بين الحكم  الذاتي الفردي و حكم مجموع الناطقين، يقول، " و قد وقع ها هنا تخليط بين الحكم الذاتي الذي يمكن أن يصدر من الباحث و بين الحكم الصادر من الناطقين باللغة أنفسهم، فالمعيار كظاهرة يجب الاعتداد به، و هو هذا المجموع المنسجم من الضوابط التي يخضع لها بالفعل كل الناطقين أو أكثرهم. ومن هنا نفهم معنى الكثرة واهتمام النحاة الكبير بهذا المفهوم"(10).  
       ولعل سيبويه في مقدمة هؤلاء النحاة إذ يكثر من عبارة (عربي كثير) أو (عربي جيد) " و مهما كان فإن سيبويه و أصحابه لا يعدون الكثير  الاستعمال قبيحا أيا كان، و يقول بأن الشواذ كثيرة، أي الشواذ عن القياس (ج1/273) و يقول: " إنما هذا الأقل نوادر تحفظ و لا يقاس عليها" (2/216) و معنى ذلك أنها عربية كثيرة و قد لا يجوز غيرها إلا أنها قليلة في بابها أي بالنسبة إلى نظرتها فلا يجوز القياس عليها و ذلك مثل "  استحوذ" و" أغيل " و"باقل " من "أبقل" عوض "مبقل" و غير ذلك" (11).
       من خلال ما سلف ندرك أن المعيار اللغوي ليس شيئا ابتدعه النحاة و أخذوا يتحكمون به في رقاب الناس و إنما " المعيار اللغوي بالنسبة للعربية هو عند النحاة الأولين مجموع الأنماط و الموضوعات اللغوية و الأساليب الكلامية التي كان يستعملها عامة العرب الذين وصفو بالفصاحة "12) و بعبارة أخيرة فإن المعيار اللغوي هوما استطاع العلماء حصره من أساليب العرب في زمن معين و بيئته محددة.
     و لا نختم هذه المسألة دون أن نورد المقارنة التي أجراها الأستاذ عبد السلام المسدي إذ يقول: " إن اللسانيات لم تكن أسبق المعارف إلى اتخاذ اللغة البشرية موضوعا للبحث و هي بذلك لا تستمد علة وجودها من اكتشاف مادة جديدة في المعرفة الإنسانية، فالنحو- بمفهومه الأعم- أسبق إلى اتخاذ اللغة موضوعا للعلم، و لكن اللسانيات و إن شاركته مادة العلم فإنها قد غيرت أسلوب تناولها و العلوم إذ اختلفت في المنهج تباينت في الهوية، و هذا هو الذي أكسب اللسانيات شرعية العلم المستقل بذاته، و قوام العلوم ليست فحسب مواضيع بحثها  وإنما يستقيم العلم بموضوع ومنهج ، فاللسانيات ...لا تنفي علم النحو ولا تنقضه ، بل إن وجودها متوقف قطعا على وجوده  إذا لا معنى  للبحث اللساني  مالم نستنبط نظام اللغة عن طريق استخراج مؤسستها النحوية ، فنسبة مابين النحو واللسانيات كنسبة مابين علم الأخلاق وعلم الاجتماع في شجرة الفلسفة ، النحو قائم على" ما يجب أن يكون" واللسانيات قائمة على "ما هو كائن " (13)
    أما نقطة الاختلاف المنهجي الأخرى بين النحاة العرب والبنوبين الأوربيين والأمريكيين فتتمثل كما يقول الأستاذ الحاج صالح في أن غاية البحث عند البنويين هو اكتشاف الوحدات التي تكون منها اللغة وذلك بتحديد هويتها التي ليست عندهم إلا صفاتها الذاتية ثم تصنيفها ، وهذا التصنيف بني على التمايز المتدرج من الجنس الأعلى  إلى ما تحته وهو عندهم بنية ، ويحصل هذا خاصة في مستوى الوحدات الصوتية ، أما ما فوقه فيحاولون اكتشاف الوحدات الدالة بتحليل الكلام التحليل التقطيعي الاستبدالي إما  بحسب تسلسل الكلام كما هو عند الوظيفيين وإما بكيفية سليمة كما هو عند الأمريكيين (14)
   ويلاحظ الأستاذ الحاج صالح  أن جميع البنويين لكونهم لا يريدون أن يتجاوزا الوصف فقد قصروا بحثهم في الحقيقة على محاولة اكتشاف الوحدات وتصنيفها كما تنبه إلى ذلك تشو مسكي فكأن دراسة اللغة كلها مقصورة على فك رموز النص اللغوي ، ويؤدي ذلك إلى العناية بدور المخاطب وحده وتجاهل أهم قطب في التخاطب وهو المتكلم ، ولهذا حاول أصحاب النحو التوليدي  التحويلي أن يعيدوا لسلوك المتكلم أهميته التي يستحقها 15)
  وينبه الأستاذ الحاج صالح إلى أن التحليل البنيوي هو من قبيل القسمة الأفلاطونية ، وأهم صفة تتصف بها هذه القسمة هي اندراج شيء  في شيء ( inclusion  ) بينهما التحليل  العربي هو من قبيل القسمة التركيبية وهو إجراء شيء على شيء بتحقيق التناظر، والقياس النحوي العربي جوهره هذا الإجراء التنظيري ـ ولا تناظر في القسمة الأفلاطونية. ولذلك فالقياس النحوي العربي أرقى بكثير لأنه يكون دائما ما يسمى في الرياضيات الحديثة زمرة (Group ) (16)
وأخيرا  يعتبر الأستاذ الحاج صالح أن تشو مسكي  قد وفق في إحياء مفهوم التحويل وهو الأمر الذي لم تكن تعرفه النظرية البنوية ، غير أن تشو مسكي لم يجعله الأساس في كل شيء كما كان يفعل النحاة العرب الأولون ، وذلك لأن إجراء الشيء على الشيء هو عين التحويل بما أن المحول والمحول إليه متكافئان  فالتحويل {مع عكسه }  من وجهة نظرالمنطق ( الرياضي الحديث ) تكافؤ غير اندراجي وهو هذا الذي يحصل عليه بالقياس ( أما الاندراج فلا يحصل به هذا التكافؤ ) ، ثم التحويل عند العرب تحويلان ، هذا الذي يبحث به تكافؤ البنى( توافق البناء عند العرب  }وهو الأهم ، وتحويل تفسر به الشواذ عن القياس وهو السلسلة من التحويلات التي يتوصل بها من الأصل الذي كان ينبغي أن تكون عليه هذه الشواذ إلى الصورة المستعملة التي هي عليه ، أي بين صيغة مقدرة وبين الصيغ الموجودة بالفعل في الاستعمال (17)
هذه هي نقاط الاتفاق والاختلاف بين منهج النحاة العرب القدامى و البنويين الغربيين المحدثين عرضنا لها من خلال استعراضنا لآراء علمين بارزين من أعلام اللسانيات العربية هما الدكتور عبد السلام المسدي والأستاذ عبد الرحمن الحاج صالح



المصدر https://manifest.univ-ouargla.dz/index.php/archives/archive/facult%C3%A9-des-lettres-et-des-langues/22-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8-2011/162-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AD%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D8%A4%D8%A7%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%87%D8%AC.html