السبت، 28 أكتوبر 2017

البلاغة العربية بين الفن والفلسفة

البلاغة العربية بين الفن والفلسفة


لعل من الخير لنا أن نسبق عصر السكاكي الذي طغى فيه منطق اليونان وفلسفتهم على أذواق الناس أو بعض الناس على الأقل، فكتبوا في البلاغة –حين أتيح لهم أن يكتبوا في موضوع يمت إلى الفنون بأوثق الصلات- بالأسلوب الميتافيزيقي الذي وصل إلينا، ولعل من الخير لنا أيضا أن نبدأ البحث من عصر الجاحظ بالذات، لنتبين النشأة الأولى لأدوار البلاغة العربية التي تمخضت عن فن البيان والبديع –وقد رسم خطوطهما هذان الرجلان- (255 هـ) ثم فن البديع على يد عبد الله بن المعتز الذي ستتمخض عنه بلاغة «المعاني» عندما تتعرض فنون البيان والبديع –وقد رسم خطوطها هذان الرجلان- لطغيان الفكر اليوناني الذي سيشيع في دراسات الإسلاميين لشتى الفنون والعلوم مذهبا عقليا ونزعة فلسفية كاسحة.
ولتوضيح «العقلية الوافدة» على البيان العربي على يد جماعة من المفكرين الإسلاميين الذين أتيح لهم أن يحدقوا ثقافات مختلفة نسوق بلاغة «الإنشاء» في قسم «المعاني» الذي أسبغ عليه هؤلاء المفكرون كلمة «علم» للمناقشة والتدليل على أن البيان تعرض للتقنين الفلسفي من حيث كان يجب أن يستمد طبيعته من صميم الفن.
نحن نعلم أن القرن الثالث الهجري هو البداية التاريخية لنشأة البلاغة فنا مستقلا عن بقية العلوم في أنشط عصور التدوين، مادتها القرآن وحديث الرسول وأروع فنون القول من الشعر والنثر، وأن الجاحظ هو أول من وضع نقطة البداية في موسوعته «البيان والتبيين» في فن البيان الذي سيكون له حظ وأي حظ في مجال العمل الأدبي عند مدرسة، وفي مجالات العقل والفكر عند مدرسة ثانية، فأوضح للبيان خطوطا ذوقية تأثر بها كثير من دارسي البلاغة، كما سيتأثر آخرون بالخطوط العقلية التي سيعيشها السكاكي من بعده؛ فكان الصراع بين الذوق والفهم، وكان الصراع أيضا بين البيان من حيث هو فن، وبين «المعاني» العقلية من حيث هي فلسفة؛ أو كان الصراع بين الفن والفلسفة على وجه من الحقيقة سافر. ونشأت من نتيجة ذلك مدرستان، مدرسة الجاحظ التي نصفق لها في حرارة المعجب والتي تتلمس البلاغة في النصوص ذات البيان والأصالة العربيين، ومدرسة السكاكي هذه التي تلتمس البلاغة في التراث اليوناني الكاسح.       
كان مفهوم البلاغة حتى نهاية القرن الثالث هو البيان الذي حاول درسه الجاحظ في شيء من الأصالة والعمق، وأن «المعاني» -غير التي ستتقمص كلمة العلم فيما بعد- لم تكن موضوعا للدراسة عند مدرسة الجاحظ إلا من حيث هي روح حي للألفاظ. أما علم المعاني أو قواعد الإنشاء فقد عني به المتكلمون من أهل البلاغة، فالجاحظ هو مؤسس هذا العلم –إن جاز أن نطلق لفظة العلم على فن البلاغة- وان الذين سيأتون من بعده إنما سيسلكون سبيله في فهم البلاغة على أسس ذوقية، ولذلك كانت دراستهم منصبة على البيان والخطابة والبديع والأصوات من حيث القبح والجمال كما فعل الجاحظ من قبل. فقد تأثر به ابن قتيبة وأبو هلال العسكري وابن سنان وابن رشيق، واتخذوا من آرائه في بلاغة البيان منهجا للبحث. والجاحظ أبو البلاغة العربية ينتقد في قسوة بلاغة اليونان، بل هو ينكر أن يكون لليونان بلاغة وأنهم لم يسهموا في إنشاء بلاغة كالذي عرفه هو، وإن أنتجوا إنتاجا ما ففي ضوء الفكر وفي حدود العقل. وهو حين يسلب اليونان مادة الذوق في تراثهم إنما ينصب نفسه رأسا لمدرسة ذوقية تعنى بالفن الباني.
أما الدكتور طه حسين، فيرى انه من الهين جدا أن نلتمس الصلة بين البيان العربي الذي يعجب له الجاحظ وهو هذا البيان الأصيل الذي يستمد حرارته من الأصول العربية، وبين البيان اليوناني الذي ينكره الجاحظ في شدة. ويرى أيضا أن الجاحظ يجهل أثر كتاب «الخطابة» لأرسطو في بلاغة العرب. فالبيان العربي عنده نسيج جمعت خيوطه من أصول مختلفة. فمادته عربية أصيلة وصورته فارسية، أما «الملائمة بين أجزاء العبارة» فيونانية بحتة. فالبيان العربي إلى القرن الثالث الهجري لم يكن عربيا خالصا ولا أعجميا خالصا، وغنما كان وسطا بين ذلك. فقد ترجم كتاب الخطابة على يد حنين بن إسحاق وكان معاصرا للجاحظ، فتدارسه المعتزلة وتأثروا به وخاصة قدامة بن جعفر. 
والجرجاني أحد أقطاب المدرسة الأدبية في البلاغة لم يسلم من تأثير الخطابة الأرسطوطاليسية في كتابه «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة».
البيان في رأي الجاحظ في العبارة لا في الفكرة، ولذلك فهو يتهم مذهب أرسطو في البلاغة، ويعلل منهجه بأنه يدرس البلاغة من نواحيها الفكرية ولا يتلمس الجمال والمتعة في موطن البيان، فهي فكر قبل أن تكون بيانا، وهي أيضا عقل قبل أن تكون ذوقا، وهذا ما ستعنى به مدارس الكلام والأصول. أما الجاحظ فقد رفضه واعتبره عدوانا على الفن البياني، بالرغم من أنه قرأ كتاب الخطابة وحاول الاستفادة منه، ولكنه انتقده بإسفاف، ووصفه بأنه قواعد عقلية راكدة. فهو الذي عرف البيان ودرسه على أساس الذوق، وهو أيضا أول من وضع للفن الثاني مصطلح البديع في صورته الأولى ولم يصطلح لعلم المعاني ولم يتخذه موضوعا لدرس البلاغة، ولذا كان حظ الإنشاء معدوما في دراسات الجاحظ لأنه ليس من البيان في شيء.
وفن البديع أقدم فنون البلاغة التي سيحددها التقسيم الكلامي على يد السكاكي. فقد ظهر كتاب عبد الله بن المعتز في «البديع» سنة 274 واستقى من صميم الفن البياني مادة البديع، وبنى دراسته على الخطوط التي رسمها الجاحظ أو أستاذ المدرسة إن أردنا الدقة في التعبير. فكلاهما يرى البلاغة أصيلة في أذواق العرب، وكلاهما حاول الإبداع في إطار هذه الصالة، ولم ينشأ جديد في مجال البلاغة سوى الصناعة والمصطلحات التعليمية، لأن أساس البلاغة ليس هو البيان والبديع، وإنما هو الذوق في أصوله العربية. فابن المعتز اتخذ الشعر والنثر موضوعا لبحث فن البديع أو للإبداع في الفن، واعتمد القرآن والحديث أيضا في أصول فنه الجديد، ولم يلتمس الأصول لهذا الفن في كتب اليونان. إذن فالجاحظ مؤسس البيان، وابن المعتز مؤسس البديع وهو ظل من ظلال الفن البياني. أما المعاني كما سيدرسها السكاكي فلم يكن أصلا من أصول البلاغة العربية ولا شيئا يمس الفن من قريب أو بعيد، وإنما يجب أن نتلمس الأصالة في البيان والبديع بعد أن نسلبها كلمة «العلم» ونرفض المعاني، بل وبعض قواعد البيان كالاستعارة التي عرفت في دراسات أرسطو وكان يسميها «نقل الصورة» Image Nêtaphor وتظل البلاغة عربية خالصة أو كالخالصة حتى بداية القرن الرابع الهجري حتى ظهرت محاولة قدامة بن جعفر المتوفى سنة 337 في البلاغة، ثم محاولة أبي هلال العسكري (395). ورغم ما عرف به قدامة من نزعة فلسفية فقد ظلت الأصول العربية المادة الخام لحياة البلاغة، وظل البيان العربي الروح والمادة والشواهد، لم تؤثر فيه محاولة قدامة في وضع كثير من قواعد البلاغة وضعا عقليا. وإذا كان قدامة لم يعرض لبلاغة الإنشاء فغن أبا هلال العسكري كان حريا به أن لا يعرض لها لأنه لم يكن يعنيه من البلاغة إلا البيان الذي رسمه الجاحظ، فهو لم يتعرض للإنشاء في كتابه «الصناعتين» ولا في «ديوان المعاني» الذي حاول أن يستخلص فيه فنون الشعر والنثر، بالنقد والموازنة وإظهار الروح الجمالي في الشكل والمضمون جميعا، وقضية الفن عنده في درس البلاغة ثانوية بالنسبة للإعجاز، فهو قد اتخذ الفن وسيلة إلى تذوق بلاغة القرآن ولمس إعجازه، وقد استخدم طرق النقد والموازنة ين البليغ والوحشي من الكلام وإعداد الأديب لإدراك الجمال الفني في القرآن المعجز.
فأنت ترى أنه يسلك مسلك الجاحظ في فهم البلاغة، وهو لم يعط للمعاني وزنا مهما في التقييم البلاغي «لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي» على حد قوله، أما لبلاغة فهي في «إجادة اللفظ وصفائه» (انظر الصناعتين ص 57). وأنت ترى أيضا انه لم يدرس المعاني إلا من حيث الجدة والإبداع والرداءة والتقليد والصحة والخطأ، وهو حين ينقد المعاني في الشعر والنثر –متناقضة أو مخطوءة أو كاذبة- متأثر بقدامة ابن جعفر في منهجه للنقد، فهو لاشك قد- تأثر برواد العقل، فوضع بعض قواعد المنهج الذي سيعتمده الجرجاني، ولكنه بحث البلاغة في ضوء الصناعة اللفظية، وأن عرض للمعاني فمن ناحية نفسية لا أثر للعقل فيها.
وفي منتصف القرن الخامس ظهر الجرجاني (471) وابن رشيق وابن سنان، فحاولوا درس البلاغة على أساس ذوقي، غير أن قضية الإعجاز لونت هذه الدراسات تلوينا عقليا عند الجرجاني خاصة، فجعل الفن أيضا وسيلة لا غاية، جعله وسيلة لفهم الإعجاز وجهادا أدبيا لإحباط خصوم القرآن، وعلى هذا الأساس وضع كتابه «دلائل الإعجاز» فهو قد أطلع على كتاب الخطابة أو اطلع على موضوع «العبارة» على الأقل فكان من نتيجة ذلك أن قسم المجاز إلى مجاز لغوي ومجاز عقلي؛ ومجاز أرسطو هو الذي يسميه الجرجاني : «بالمجاز المرسل» و«الصورة» عند أرسطو أيضا هي التي يسميها بالاستعارة، فالجرجاني لم يضع لكثير من قواعد المعاني وخاصة الإنشاء، ولكنه مهد له، فقد انحطت فنون البلاغة بل فقدت مادة الذوق في بداية القرن السابع الهجري بعد أن بلغت بعض درجات الكمال في نهاية القرن الخامس ثم تجمدت، ذلك أن الجرجاني نفسه عني بالاستفهام الذي سيكون أحد أنواع الإنشاء، وأسبغ عليه –وهو يدرس أثره في الجملة لونا أشد صلة إلى الفلسفة منه إلى الفن.
وفي أوائل القرن السابع يضع السكاكي المتوفى سنة (626) للبلاغة تقسيما عقليا سيكون منهجا تعليميا لها في مختلف أدوارها، فنحن نعلم أن السكاكي كان معتزليا اتخذ الفلسفة لتدعيم مذهب الاعتزال –كما فعل غيره من الذين نقرأ عنهم في تاريخ المذاهب- وحاول أن يلخصها في كتابه «مفتاح العلوم». كان المذهب المعتزلي دعوة جريئة وسافرة في نفس الوقت لاستخلاص الثقافة الإغريقية، والاستعانة بها في ذلك الجهاد المرير الذي دار بعنف حول قضية الإعجاز. ولم يكن من السهل أن يدعو شيوخ المعتزلة إلى لون من العقيدة جديد، فتستجيب لهم الجماهير قد رسخت في عقولها وعواطفها «المعجزة»بشكل يتطلب جهادا قاسيا من الخارج تكون الفلسفة اليونانية أمضى سلاح له.
ونحن لا نشجب المعتزلة لأنهم سلطوا الفلسفة على الفن انتصارا لمذهب ما، ولا نعتبره عدوانا مبيتا، بل نعد المعتزلة رواد الحرية الفكرية في العالم الإسلامي، وإنما نحاول أن نقلب صفحة من تاريخ البلاغة العربية لا أقل ولا أكثر.
ونحن نعلم أيضا أن صراعا جدليا نشب بين بلغاء العرب وبين الرسول عشية ظهور القرآن، فجادلوه في سذاجة وبراءة فنية، وأنكروا الإعجاز في التنزيل، وأنه ليس إلا سحرا وأساطير الأولين. فكان هذا الجهاد الفني بذرة أولى لنشأة البلاغة. ولكن أية بلاغة ؟ كان حماس المعتزلة –أو بعض شيوخ المعتزلة- حارا، فكان لابد لهم وهم يواجهون خصوما أشد عصبية وإيمانا برأيهم، أن يتصدوا للدفاع عن قضية هامة تمس عقيدتهم من قريب بعد أن هاجم خصوم القرآن روح الإعجاز، ولكن هذا الدفاع اصطنع الأسلوب الفلسفي فاتخذت البلاغة في ظلاله شكلا عقليا وتنكرت للمذهب الفني، وإذا صح أن أصحاب المدرسة الكلامية إنما جرهم إلى درس البلاغة موضوع الجمال، فإننا نعلم أن الفلاسفة عالجوا مشكلة الجمال قبلا، وإن اشتدت الصلة بين البلاغة والفلسفة من ناحية، فقد ابتعدت من عدة جهات.
السكاكي قد أحكم الصلة بين البلاغة والفلسفة، وهو والمتكلمون من بعده صبغوا أبحاثهم في علم المعاني خاصة، بروح المنطق ومادة الفلسفة، ولم يبحثوا قليلا عن الحرية في موضوع تبعده المسافات والأبعاد عن المنطق إلى مذهب العاطفة المتحررة على ألف جناح من ضياء القمر.
إذن لم يكن يعني بعلم المعاني وبالإنشاء الذي نعرضه مثالا على الخصوص سوى أبي يعقوب السكاكي، فهو الذي «محص زبدة البيان ورتب أبوابه» كما يقول ابن خلدون، ولم يكن بوسع الذين جاءوا من بعده إلا أن يلخصوا آراءه في بلاغة المعاني أو قواعد الإنشاء، لأن مشكلة الإعجاز تتطلب منهم أن يتدارسوا البلاغة على نحو عقلي لتأييد نحلهم، كما اتخذ الزمخشري –وهو رأس من رؤوس المذهب المعتزلي- بلاغة العقل طريقا إلى الفلسفة، ففي عصر السكاكي انتصرت الفلسفة على البلاغة بالرغم من أن مدرسة الجاحظ ما تزال يمثلها ابن الأثير (638) فوضع السكاكي «مفتاحه» في البيان والبديع والمعاني، ولم يعرف أهل البلاغة من قبله بلاغة الإنشاء على النحو الذي عرفوا به فنون البديع والبيان، فهو ثمرة من ثمار الفلسفة، أو هو ثمرة من جهاد المعتزلة، وسنعرض له كما يراه السكاكي أو كما تراه الفلسفة على يد السكاكي.
فهو قد قسم «علم المعاني» إلى قوانين ودعا الإنشاء «قانون الطلب» ولم يسمه إنشاء، ويظهر أن هذه التسمية متأخرة كما سنراها عند الذين تأثروا بمنهجه، وهو أيضا قد رتب القانون أبوابا خمسة واصطلح لها بما هو معروف في كتب البلاغة –والذي يثيرنا إلى المناقشة هو أن الرجل عالج الموضوع بأسلوب الفلاسفة أو المتأثرين بالمنطق والفلسفة على الأقل، الإنشاء عنده لا يصح إلا في نطاق التصور وهو يتطلب فكرة غير حاصلة وقت الطلب قد تكون مثبتة وقد تكون منفية، ولكن خواطر الفكرة تمر في أذهاننا فقط، وهو أيضا قي عمق المتفلسف يسلك تقسيمات عقلية معقدة، الطلب يكون حصولين اثنين في الذهن أو في الخارج، وهذا هو مذهب المناطقة الصوريين أعمله في رقاب الفن فماتت بعض فصول القصة من حياته، وأنت تستطيع أن ترجع إلى مفتاحه في البلاغة فتجد هذه الفتنة العقلية قد آثرها ويؤثرها التلامذة من بعده، خط عرض يسير عليه الجميع، حتى النحاة أنفسهم، لون من المناقشة واحد وأمثلة آثرها السكاكي وسيعطيها التفتازاني والخطيب القزويني وابن هشام النحوي(1). هذه الفتنة سيهيم بها النحاة فيدرسون النحو على ضوئها، أو تتقمص هي شخصية النحو فيصبح منطقا للنحاة أو نحوا للمناطقة كما يسميه النقاد المعاصرين.
هذا هو السبيل الذي سلكه السكاكي في بلاغة الإنشاء، وهو بهذا قد فتح مدرسة فلسفية جديدة سيتهالك عليها الدارسون حتى وقتنا الحاضر. سيتأثر به أحد رجالات القرن السابع الهجري وهو قريب منه في المذهب والفترة التاريخية وهو أيضا معتزلي صميم، انتهى من كتابه «الأقصى القريب» في حدود 692، ذلك هو التنوخي الذي زعم أن كتابه إنما يتناول علم البيان، وهو يكاد يكون منطقا بحتا أو يشبه المنطق، وهو نفسه يعترف أن النحاة قريبو الشبه بالمناطقة في الاتجاه العقلي، فهم لا يختلفون إلا في وضع المصطلحات أحيانا، الجملة عند النحاة هي «القضية» عند المناطقة، غير أن هؤلاء يبحثون الألفاظ تابعة للمعاني وأولئك يبحثون المعاني تابعة للألفاظ، ووضع الصدق والكذب في القضية المنطقية ذات الموضوع والمحمول هو الوضع نفسه في جملة المبتدأ والخبر في النحو.
فأنت ترى أن الفلسفة قد ابتلعت البلاغة والنحو أو ابتلعت البلغاء والنحويين جميعا حتى أصبحوا يقابلون ضمير الفصل عند البصريين والعماد عند أهل الكوفة في المثال الآتي ك أنت –هو- المغربي «بالرابطة المنطقية بين الموضوع والمحمول : أنت-تكون-مغربيا» التي تختص بها اللغات الهندية الأوربية: You (are) Moroccan وتشيع مدرسة السكاكي في المناهج التعليمية عند البلاغيين أو المتكلمين على الأصح، فيظهر شيخ آخر من شيوخ البلاغة أو شيخ من شيوخ المعتزلة وهو الخطيب القزويني، فهو قد لخص رأي السكاكي في البلاغة ولم يأت بجديد يذكر، ولم يضف على قواعد السكاكي أي فيض، بل هو لم يخط بالموضوع أية خطوة، فهو قد عني بتلك الاجتهادات المذهبية التي نفض الشيخ منها كلتا يديه، سالكا سبيلا سلكه أبو المدرسة قبلا، وسيكررها السعد التفتازاني (791) في مختصره، ونحن لا نتتبع بالتفصيل طريقة السعد لأنها مجهولة وغير مفضية إلى قاعدة وفيها كثير من اللغو وكثير من التعقيد وكثير أيضا من المنطق الصوري، وإنما نشير إلى أنه درس البلاغة على نحو منطقي تمشيا مع الوحدة العامة التي آثرها المعتزلة في العقيدة وجهود البحث، فهو يعالج موضوعا في البلاغة قد عرض له بالدرس منطق الإسلاميين القدامى، ويعتبر عصر التفتازاني فترة إرساء وتجميد لقواعد الإنشاء في علم المعاني التي تسلكها المدارس التعليمية في فن البلاغة ليومنا هذا.
كانت البلاغة على عهد الجاحظ (تقوم على الدراسات التحليلية للجمال الفني في نطاق مذهب يشبه مذهب النقد أو هو النقد نفسه، لاستخلاص اللذة الفنية من جيد النصوص من ذلك الكلام الوحشي البارد، ثم هي كانت من بعد وسيلة فنية لإدراك الإعجاز أولا، ثم وسيلة منطقية لفهم هذا الإعجاز على يد المعتزلة ثانيا، ووصلت بلاغة المعاني إلى الدارسين المعاصرين كما فصلها السكاكي، فلم يحيدوا عنها بل هم قد عكفوا على نسخها –عن جازت هذه العبارة- فكان إنشاؤهم امتدادا لذلك الإنشاء الذي أرست قواعده كما قلنا مدرسة السكاكي، فهم من غير شك تلامذة لهذه المدرسة، لأنهم نحوا في فهمه ودروه هذا النحو الفلسفي، ونحن نعطي كتابي «الخواطر الحسان» و«البلاغة الواضحة» مثلا لهذه التبعية الخالصة في درس الإنشاء.
جبر ضومط المتوفى سنة 1929 من كتاب البلاغة المعاصرين، يرى أن البلاغة كانت خالصة لإعجاز القرآن أكثر من خلوصها للدب والفن، وعلى الرغم من أن هذا الرجل حاول أن يدرس البلاغة من أن هذا الرجل حاول أن يدرس البلاغة مذهبا للبيان العربي فقد سار في درس الإنشاء مثلا على الأسلوب التعليمي في إطار المنهج الذي وضعه القدامي، فالكتاب إضافة للكتب الكلامية الماضية، ورأي الرجل امتداد لآراء المدرسة. فهو يربط الصلة بين النحو والبيان والمنطق، بل هو يعترف أن هذه العلوم الثلاثة أصول مشتركة وصلات وثيقة بعضها ببعض، لأنها امتداد للثقافة الإغريقية القديمة. بل هو أيضا يسمى علماء البلاغة بالفلاسفة، فهو لم يستطع أن يتحرر من قيود المدرسة في تعريف الجملة الإنشائية. يقول : «هي ما لا يتبادر معها إلى الذهن عند أول سماعها احتمال الصدق أو الكذب، نحو : من أين أتيت؟» أنواع الإنشاء خمسة تماما كالتقسيم المدرسي. وقد زعم أن محاولته خالصة للفن البلاغي، إلا أنه ذهب مع الريح، ريح المعتزلة، فلم يملك إلا أن يسمح جهوده بمسحة كلامية، هو لا يشترط إمكان المتمنى وهذا بالضبط تعريف التفتازاني الإنسان بطبعه يحب المحال أحيانا ويركض وراء المجهول. فقد يكون هذا المحال ممكنا في هذا المثال الذي يعطيه جبر ضومط :
ليتني في المؤذنين حياتـي
               إنهم يبصرون من في السطـوح

فيشيرون أو تشير إليهـم
               بالهـوى كـل ذات دل  مليـح
فأنت ترى أنه لا يبتعد عن قواعد المدرسة طويلا، فالتمني هو طلب المحال، والمتمني محال أو كالمحال، ولكن الذي يقوده إلى التقييم الفني هو هذه الشواهد التي تتناقض مع قاعدة المحال عند رواد المدرسة.
فالمدرسة أخذت على نفسها أن تجعل البيت المشهور :
ألا ليـت الشباب يعود يومـا
               فأخبـره بما فعـل المشيـب
مقياسا لاستحالة المتمنى وفلسفته على نحو مقنع، فهو قد ترك هذا المثال الذي تستحيل معه عودة الشباب إلى هذا الإنسان الطاعن إلى مثال من أمثلة الفن البلاغي، فالشاعر يتمنى لو وقف حياته على صومعة ليبصر من في السطوح فيشير أو تشير إليه حسناء تسحب في خيلاء ذيلها العطر، فيرضى الحب لقلبه والتنسك ليدنه، ولا ضير على قلبه أن يجتمع فيه الحب والدين. فأين هو هذا المحال عند صاحب الخواطر ؟ عن لم يكن في المتناول، فهو طيع الإمكان، وهذا بالطبع جهد مرتبط بالفن يجعل قضية المحال من خرافة الميتافيزقا، وحتى عدم الإمكان عنده موضوع لأسس نفسية ما كان ينبغي للعقل أن يجمد حيويتها وحرارتها، وبالرغم من هذه الطراوة التي يصبها في خواطره الحسان فلا يوجد حاجز بينه وبين السكاكي سوى الفروق التاريخية.
ويسير على الجارم في «البلاغة الواضحة» على النحو الذي سار عليه المحدثون والقدماء، وينهج منهج المعاصرين الذين درسوا البلاغة في دورها التعليمي الناضج على أساس النزعة السكاكية، فصاحبنا يدرس الإنشاء على النحو المعروف ولم يعنه من أمر البلاغة شيء جديد سوى هذا الاختصار الذي يتطلبه كتاب تعليمي كهذا، فالهمزة عنده للتصور، وهل للتصديق، كالمناطقة الإسلاميين والمدرسيين من أهل البلاغة تماما، ولكن الذي يمتاز به هذا الكتاب هو هذه الشواهد ذات الحرة والارتعاش، التي حاولت القضاء على رواسب الخريف في قواعد السكاكي تلك المتجمدة، وبشرت ببعث أدبي جديد بتلك الخصوبة وذلك الإثراء، وهو من غير شك قد آثر الوجهة الفنية ووفق إلى حد ما، ولكنه على أية حال إن كان عربي الشواهد والعرض والاختيار فهو أعجمي القواعد والمنهج.
وبعد، أي المدرستين أجدى على البلاغة ؟ وأيهما أميل إلى البلاغة ؟ هي هذه المدرسة التي أسميناها مدرسة الجاحظ والتي لم تعط لفن الإنشاء قيمة الدرس ولا أتيح لروادها أن عالجوه في نتاجهم خلال عصور البلاغة ؟ أم مدرسة السكاكي التي عنيت بهذا الموضوع عنايتها بمختلف القواعد البلاغية كما رتبها المنهج الكلامي ؟ وما هو الإنشاء ؟ أهو فيض من الفن يضفي على حس الدارس وعاطفته الرهافة والإيحاء فيما ينتجه ويستهلكه من قول جميل ؟ أم هو قواعد عقلية  جمد المعتزلة بها دم البلاغة وشباب الفن ؟ هل هو علم أم فن ؟ وأخيرا هل الإنشاء بلاغة أم فلسفة ؟. لا نجد خصومة ما حول هذا الموضوع بالذات بين نقاد المدرستين القدامى، لأن المدرسة الأدبية لم تدرسه، بل هي لم تعرفه البتة، فهو غريب عنها، وافد عليها من ثقافة اليونان وحضارتهم عن طريق المعتزلة، وهو لا يمت إلى البلاغة بصلة من الصلات.
والمدرسة الأدبية لم تدرس الإنشاء فعلا لأنه ليس ذوقا ولا يمس الذوق من قريب أو بعيد، وهو معنى من المعاني، والمعاني موضوعها العقل، أمما الذوق البلاغي فموضوعه «الذائقة الفنية» نحن نفسر قصور المدرسة الكلامية في إبراز الفن البلاغي إلى ظاهرة غريبة، غريبة بالفعل، ولكنها كانت واقعا من الواقع، هذه الظاهرة هي أن أصحابها أعجام وافدون، ينقصم الإحساس بالجمال والطاقة التاثرية لجرس الكلمة البليغة ووقعها في السمع والعاطفة والقلب، ولذا حاولوا درس البلاغة من ناحية عقلية، وعنوا بالإنشاء في علم المعاني حين لم يوفقوا لدرس البلاغة من نواحيها الذوقية. الإنشاء في إطار علم المعاني غير عربي في منهجه لأن دراسته غير عرب، وبيئتهم غير عربية، وتجاربهم الحسية لم تتعود خصائص العربية، ولذلك عالجوها بالروح الفلسفي.
يرى ابن خلدون أن الملكة التي تؤهل الإنسان لتذوق البلاغة إنما هي في اللسان من حيث هو موضوع للتعبير.
فالبلاغة عنده ذوق وإحساس. والإعجام من الفرس والروم والبربر قليلو الحظ من هذا الذوق وذلك الإحساس، في البلاغة من حيث هي صوت وجرس وموسيقى، يقول : « إنما لهم في ذلك ملكة أخرى، وليست هي ملكة اللسان المطلوبة، ومن عوف تلك الملكة –ولعله يقصد أصحاب المدرسة العقلية- في القوانين المسطرة في الكتب فليس من تحصيل الملكة في شيء(2)».
وإذا كان الإنشاء كما قلنا معنى من المعاني فهي موجودة في كل وعاء فكري وهي : «واحدة في نفسها» وبلاغة اللغة إنما تكون في جودة الكلمة ذات الطاقة المتفجرة، واختلاف هذه الجودة قوة وضعفا وخصوبة وجدبا. ومدرسة الجاحظ لم تلتمس البلاغة في معاني الإنشاء قديما وحديثا، ولم تحاول أن تضع يدها على هذا اللون من الدراسة قديما وحديثا، لم يلتمسها الجاحظ وابن المعتز وأبو هلال العسكر قديما، ولم يلتمسها ابن الأثير في القرن السابع ولا أمين الخولي والزيات وطه حسين وابراهيم سلامة وغيرهم في العصر الحديث، وإنما التمسوها في الكلمة وبيانها وقدرتها على تصوير الأحاسيس الفتية من حيث هي إيقاعات صاخبة حينا ودافئة أحيانا، موضوعها الوجدان والعاطفة، وما دامت البلاغة فنا ذوقيا فيجب أن تستمد التغذية والحرارة من العاطفة والوجدان.
وهو ليس ببلاغة لأنه ثمرة العقل أو هو ثمرة العلم، ولأن المتكلمين والفقهاء والفلاسفة لم يتزودوا بالتغذية اللفظية أو المادة الخام، ذلك أن مصطلحات العلم والفقه والفلسفة أفقدت الباحث في موضوع البلاغة روح الإبداع، فالجرجاني لم يتعرض له في دراسة المعاني لأنه يرى البيان «أرسخ علما وأعذب وردا» وأن المذاهب الفلسفية هي التي حللت الذوق الفني في البيان العربي، وهو أيضا يتهم رواد المدرسة الكلامية يجهل خصائص البيان في الشعر حين ساء فهمهم للشعر (ديوان العرب ومورد الفصاحة).
والإنشاء في ضوء المعاني العقلية عند أبي هلال العسكري قواعد يعرفها الناس على اختلاف أجناسهم وحضارتهم فهو فوق القبح والجمال شيء يخضع للقوانين البديهية في التفكير العام. وموضوع القبح والجمال إنما يكون في الألفاظ، أما المعاني فمنسوجة وقديمة «الخلق» وإثمها على أصحاب المذهب الكلامي. (الصناعتين ص 57-69).
فالإنشاء أو علم المعاني على العبارة الصحيحة ليس من بلاغة العقل العربي، لأنه لم يدرسه الجاحظ وابن المعتز ولم يشمله منهج أبي هلال والجرجاني، ولم يكن له نصيب من جهود المعاصرين الذين يقدمون الذوق على القاعدة المقننة. هو ليس من بلاغة العرب، لأنه لا يمثل حضارتهم الفكرية، ولا يستمد أصالته من نتاجهم العربي، وإنما هو يمثل حضارة وافدة كاسحة، يمثل عقلا يونانيا ومزيجا من الفتنة، فاستنسخه الأصوليون وأهل الجدل والمناطقة، وجعلوه شيئا يشبه البلاغة.     
وعبارة «العقل» عند رواد مدرسة الجاحظ المعاصرين مبهمة غامضة الخطوط في فن البلاغة، فهي لا تفصل بن العقل والذوق، ولا بين الفكرة والكلمة، فالعرب واليونان وضعوا خطوطا فاصلة بين المنطق والفن، فجعلوا الفن من نصيب البلاغة، لأن موضوعها النفس الحساسة والقلب المتأثر المتكسر، وقد كان للبلاغة مذهبان، مذهب الفلاسفة، ومذهب البيانيين والخطباء، ولعل أول من درس البلاغة على نحو يشبه الفن –وهو غير عربي- هو عبد الله بن المقفع، فالتأثير في العقول من عمل الموهبة «المعلمة» والتأثير في القلوب من عمل الموهبة «المؤثرة» ووظيفة البلاغة هي الإقناع والمتعة من طريق الأثر النفسي ليس إلا.
فأنت ترى أن مدرسة البيان تنكر هذه الدراسة التقنينية في إطار علم المعاني الذي أشاعه السكاكي، ولم تتلمس البلاغة في الألفاظ وحدها لأنها داخلة في حيز الأصوات كما يقول ابن الأثير، فاحتجنا إلى درس اللفظية في انسياب الصوت، ونقدها في انسكاب الجرس، وربما كان الصوت فاصلا في حياة الكلمة –أي كلمة-. نحن نميل بإحساسنا ونطرب لصوت البلبل والشحرور، ونستهجن صوت اليوم والغراب، وهذا هو موضوع البلاغة بالذات، أما استخلاص المعاني فهو بالذكاء لا بتعلم العلم، فكلنا ندرس مادة ما في المدرسة ولكن واحدا ن زملائنا سيتيح له ذكاؤه الحاد في تحطيم الأرقام القياسية والتفوق علينا، ولابن الأثير رأي وجيه في هذا الموضوع(3) وكم كان بودنا أن نعرض له بالتفصيل، ولكن هذا اللون من المناقشة تضيق به حياة المقالة. إن البليغ تجيش في نفسه –لا في عقله- خواطره ومعانيه فيصبها في لفظ مطروز بالوحي، يعلم انه يرضي عاطفته وعواطف الناس حين ينقل إليهم تجربته الشعورية. والفصاحة هي المقياس الوحيد للجمال، وهي من اختصاص اللفظ المتفجر المشحون.
فطائفة الذوقين تتألف من الكتاب والشعراء والنقاد الموضوعيين، وبلاغتها هي ذلك الإنتاج العربي الخالص الذي لم يكن لدرس الإنشاء فيه أي نصيب. فهو من نصيب الأصوليين والكلاميين، والسيوطي يصف طريقتهم بأنها «طريقة العجم» أو هو تمرة للفلسفة اليونانية التي طغت على الفن، فقننته طائفة الكلام في منهجها العقلي الذي جعل البلاغة موضوعا للصحة والخطأ كالمنطق تماما. ونحن نعلم أن قواعد الصحة والخطأ من اختصاص المنطق.
وغريب منطق هذه المدرسة فأين أصالتها في منهج البحث أو أين أصالة الإنشاء في تقنيناتها المتحجرة؟ نحن ننكر أيضا أن يكون بلاغة من البلاغة أو فنا من الفن، لأنه أعجمي الأصول والمنهج، عني به أصحاب العقلية المتفلسفة في بحث المعاني على أساس المناسبة ومقتضى الحال، الذي كان شائعا عند أرسطو، منهج هؤلاء المتفلسفين في درس البلاغة لا يستمد أصوله من صميم الفن العربي. وإذا كان هذا هو موضوع البلاغة فأين هو عمل البليغ فكل جملة في هذا الوجود تفيد معنى وفائدة، وكل كلام يحمل فكرة ومعنى.
فالمنهج جامد وعتيق لا أثر للفن في بلاغته ولا أثر للبليغ من حيث هو فنان، والمنهج أيضا يقدم علم المعاني على البيان لأنه بمنزلة (المفرد من المركب) قد تكون المعاني ولا يكون البيان، والمطابقة ومقتضى الحال في خرافة هذا المنهج يقرها علم البيان. ونحن حين نقول علم المعاني أو علم البيان إنما نشوه صورة الفن في البلاغة.
وبلاغة «المعاني» لم تنشأ إلا في المناطق الشرقية للدولة الإسلامية التي تسودها العجمة. والزمخشري والسكاكي والتفتازاني أنشط أعلام هذه المدرسة وأقدرهم لإخضاع البلاغة إلى المنطق في هذه الناحية، فقد عالجوا المعاني وعالجوا البيان في نطاق الخبر والإنشاء فعقدوا أبوابا للخبر والإنشاء وجمدوهما في تقسيماتهم تلك التي قصمت ظهر الفن في البلاغة، وما زالت الطابع الوحيد لمدارسنا التعليمية حتى الآن.  


http://www.alhiwartoday.net/node/5206 

الأربعاء، 25 أكتوبر 2017

Spiderman Riding Cow Video For Kids - Collections Nursery Rhymes Song

Spiderman Riding Cow Video For Kids - Collections Nursery Rhymes Song




SuperHero Kids Go To School Learn Colors with Dairy Cow Johny Johny Yes Papa w/ Teacher Spiderman

SuperHero Kids Go To School Learn Colors with Dairy Cow Johny Johny Yes Papa w/ Teacher Spiderman



Frozen Elsa Baby prepares a giant mcdonalds hamburger at mcdonalds drive thru!

Frozen Elsa Baby prepares a giant mcdonalds hamburger at mcdonalds drive thru!



Bad Baby SPIDERMAN Pretend Play w/ Venom Mickey Mouse Colors Children Toys Compilation in Real Life


Bad Baby SPIDERMAN Pretend Play w/ Venom Mickey Mouse Colors Children Toys Compilation in Real Life


CARS Movie Toy Crushed By Hulk w/ Spiderman Nursery Rhymes for Children Funny Kids Video


CARS Movie Toy Crushed By Hulk w/ Spiderman Nursery Rhymes for Children Funny Kids Video


Spiderman McDONALDS DRIVE THRU Prank! w/ Frozen Elsa Joker Hulk Mickey Movie Kids Toys in Real Life


Spiderman McDONALDS DRIVE THRU Prank! w/ Frozen Elsa Joker Hulk Mickey Movie Kids Toys in Real Life


الاثنين، 4 سبتمبر 2017

التــداولــية والنظـــرية النقــدية

التــداولــية والنظـــرية النقــدية * : معــن الطائي
تهدف هذه الدارسة الى بحث امكانية توظيف التداولية منهجا للتحليل النقدي للنص الادبي… يقوم الى جانب المناهج النظرية النقدية التي تتخذ من النظريات اللسانية الحديثة منطلقا لمرجعيتها المعرفية والاجرائية في تحليلها للنص.كما وتسعى الى الكشف عن الامكانيات التأويلية التي من الممكن ان يتيحها لنا التحليل التداولي ومدى فاعليته في اضاءة مستويات جديدة من النص الادبي لم تتمكن الدراسات الاسلوبية والشكلية والبنيوية من الوصول اليها ، ثم تحديد الفضاء المعرفي الذي من الممكن ان تكتسب فيه التداولية اهمية خاصة داخل النظرية النقدية لما يعرف بما بعد- البنيوية.
لقد كان للتطورات الحاصلة في حقل الدراسات اللسانية اثراً حاسماً على تبلور ما يعرف الان بالنظرية النقدية الحديثه. حيث حدثت القطيعة مع المناهج النقدية التقليدية مثل الرومانسية والانطباعية والطبيعية بدعوى تجاهلها لموضوعها النقدي، وهو النص الادبي، وانشغالها بعناصر واشكاليات خارج نصيه مثل السيرة الذاتية و الدراسات النفسية والاجتماعية.
لقد كان الحدث الاهم تاريخياً هو نشر دراسات العالم اللساني دي سوسير عام ( 1916) تحت عنوان (محاضرات في اللسانيات العامه) والتي ساهمت في وضع اسس نظرية جديدة للدراسات اللسانية، ثم توالى في الثلث الاول من القرن العشرين ظهور مدارس نقدية تعتمد على دراسة العناصر الداخلية للنص الادبي واقصاء اي حقائق خارجية. أهتمت تلك المدارس بالمستوى اللساني للنص على اعتبار انه المستوى الوحيد الذي من الممكن اخضاعه لشروط الدراسة العلمية المنهجية التحليلية والوصول الى نتائج يمكن التحقق منها علمياً واجرائياً والركون الى مصداقيتها. اذ ظهرت دراسات المنظرون الروس مثل (فكتور شكلوفسكي) و (بوريس اخنباوم) و (يوري تاينانوف) فشكلت اساس المدرسة الشكلية الروسية في الربع الاول من القرن الماضي. وفي الحقبة نفسها ظهر (النقد الجديد) في امريكا على يد عدد من النقاد الاكادميين امثال (كلينث بروك) و (روبرت مارن) و (جون بورسر) و (الن تيت). وقد كان لمؤلفات الناقد الانكليزي اي.أ. رتشاردز اثراً كبيراً على نقاد مدرسة النقد الجديد او ما يعرف بالنقد النصوصي، خصوصاً كتابه (معنى المعنى) المنشور عام (1922) بالاشتراك مع الناقد سي. كي.اوغدن. وشكلت حلقة براغ نقطة تحول هامة عن الاسلوبية والشكلية الروسيه. فقد انتقلت دراسات هذه الحلقة من مستوى الجملة او الوحدات الصغرى للمظهر الاسلوبي الفردي الى مستوى البنية الكلية التي تتضمن مستوياته التركيبية والصوتية و الدلالية.
وابرز ما اتفقت عليه تلك المدارس النقدية هو التركيز على دراسة (الادبية)، وهي مجموعة العناصر الشكلية الداخلية التي تجعل من نص معين نصاً ادبياً. وقد شاع مصطلح (الشعرية) بدلاً من الادبية بتأثير مباشر من كتابات (رومان ياكبسون)، وعرفت دراسته (بعلم الاسلوب الشعري ) التي تسعى الى اكتشاف قوانين النصوص الادبية على نحو عام (1). وخلال اكثر من نصف قرن من الزمان تزايدت الاتجاهات النقدية ذات المرجعيات الاسلوبية والشكلية والبنيوية وتراكم عدد كبير من الدراسات المهمة التي اخذت تشكل ارثاً علمياً رسم حدود واضحة لمقاربات نصوصية تحليلية وطرح اشكاليات جديدة دفعت بالجدل النقدي نحو درجات اعلى من العلمية والموضوعية. ولعل من ابرز الاسماء التي حققت لنفسها حضوراً متميزاً في هذا المضمار ، بالاضافه الى الاسماء المذكوره سابقاً، (جان كوهين) و (ميشيل ريفارتير) و (ستانلي فيش) و (رولان بارت) و (تودوروف) و (يوري لوتمان) و (ماكاروفسكي) و (جوليا كريستيفا).
وعلى الصعيد النظري استثمرت المدارس النقدية الحديثة التطورات الحاصلة على دراسة الجملة اللسانية بمستوياتها التركيبية والصوتية والدلالية. فقد تجاوزت الدراسات اللسانية الحديثة، من دي سوسير و بلومفيد الى تشومسكي، دراسة (المعنى) في الجملة بسبب عدم امكانية اخضاعه للدراسة العلمية الموضوعية كباقي العناصر الشكلية التركيبية للجملة، كما يقول تشومسكي(2). وعلى غرار تقسيم دي سوسير، اللساني الشهير، اللغة الى مستويين هما لغة ((Lang و كلام ( (Parl، قسم تشومسكي الدرس اللساني الى القدرة ((Competence والاداء ((Performance. وتمحورات دراساته العلمية حول المظهرالمادي للجملة ودراسة اللغة دراسة علمية بحته تتميز بالتجريد الشديد وتحليل المستويات التركيبية وكذلك اقسام الدماغ البشري التي تتدخل في عمليات فهم وانتاج الفعاليات اللسانية باعتبارها جزءاً من (القدرة). والتزم البنيويون الأمريكيون بهذا المستوى من الدراسات اللسانية وهو ما يعرف (بعلم القواعد التوليدية).
ومع ان معظم العلماء اللسانين قد اكدوا على دراسة المستويات المحسوسة المتجسده في اللغة، الا انهم لم يقصوا (المعنى) كمستوى متحقق من مستويات الجملة. فقد اشار اليه دي سوسير في دراساته، وجعله الفيلسوف الامريكي بيرس (1839-1914) مدخلاً لدراسته (علم العلامات)، وكذلك فعل العالم (بنفنست). وأقر تشومسكي بوجود مستويين متمايزين للجملة وهما (البنية السطحية) او الظاهرة التي تشير الى المستوى التركيبي او النحوي لها و(البنية العميقة) والتي ترتبط بالمعنى والدلالة. وكمحصلة للدرس اللساني النظري الحديث طرأ تحول جوهري على النظر الى (اللغة) وآليات دراستها وتحليلها. فأصبحت (اللغة) عند سوسير ولغويي براغ والبنائيين الامريكيين (هي نظام من العلاقات، او بمعني ادق مجموعة من الانظمة المترابطة فيما بينها، اذ لا تتمتع العناصر، الا صوات والكلمات، بأية قيمة مستقلة خارج علاقات التعارض او الترادف التي تربطها بالعناصر الاخرى، فيظهر هذه النظام النحوي المضمر في كل لغة من اللغات وعند كل المتكلمين بهذه اللغة) (3).
ومع سعي المدارس النقدية الحديثة في مطلع القرن الماضي نحو مقاربة علمية ومنهجية للنص الادبي، تحول الاهتمام الى دراسة النص باعتباره محصلة نظام من العلاقات المتشكلة في بنية ذات طبيعة شمولية. وقد اتفقت هذه المدارس ضمنياً على ان ( المادة الوحيدة التي يطرحها النص الشعري للتحليل هي لغته. هي وجوده الفيزيائي المباشر على الصفحة او في الفضاء الصوتي، ومن هنا كانت الامكانية الوحيدة لتحليل الشعريه في النص هي اكتناه طبيعة الماده الصوتية و الدلالية، اي نظام العلامات، وهي جسده وكينونته الناضجة والتي هي شروط وجوده ايضا)ً(4).
وتميزت مقاربة الدراسات التي قام بها نقاد المدرسه الشكلية والروسية للنصوص الادبية باهمال (المعنى) على غرار ما قامت به الدراسات اللسانيه، مثل تحليل رائد المدرسه الشكلية (شكلوفسكي) لنصوص ادبية متنوعة ومتباينة (كدون كيشوت) و (هاملت) ورواية الكاتب الانجليزي لورنس ستيرن (ترسترام شاندي)(5). واجرائياً اهتمت المدرسة الشكلية بدراسة ما يعرف (بالأنزياح الأسلوبي)، وهو عبارة عن خرق لمعايير الأستخدام الدلالي للكلمات التي ترد في لغة الحديث اليومي. ويؤكد علماء النحوعدم جواز حدوث الأنزياح على مستوى قواعدي او نحوي لانه خروج على المعيارية النحوية للغة. أما الأنزياح الدلالي فهو كسر شبكة العلاقات التقليدية التي تنشأ بين الكلمات خلال عملية استخدامها العادي ووضعها ضمن شبكة علاقات جديدة خاصة بالنص الادبي. (وقد حدده جان كوهين بانه انحراف عن معيار، هو قانون اللغة الاعتيادية او المألوف، يحمل قيمه جماليه… فهو خطأ ولكنه كما يقول برونو”خطأ مقصود”)(6). ان المدرسة الشكلية بتأكيدها على مفهوم (الانزياح) والقيمة الجمالية، تشتغل على المستوى الدلالي من مستويات التحليل اللساني للجمله وليس النحوي أو التركيبي، ومنظورها الدلالي للكلمات يقوم على اساس انها علامات لا تعني شيئاً بذاتها وليس لها اهمية او دلالة خارج حدود شكبه العلاقات الداخلية التي تنشأ بينها داخل الجملة او النص الادبي.
وظل مفهوم الدراسات الاسلوبية والشكلية مقتصراً على تحليل المميزات الاسلوبية للنص عن طريق دراسة الجملة. وحتى دراسات الناقد (ميشيل ريفاريتر) الاسلوبية الحديثة في سيميائيات الشعر لم تتجاوز المظاهر التركيبية و النحوية والدلالية للنص الادبي.
ان ظهور مدرسة براغ وطرح ياكبسون لمفهوم (الشعرية) قد ساعد على الانتقال من مستوى الجملة الى مستوى البنية، فبينما اقتصرت الاسلوبية والتشكلية على المستوى الفردي للتجربة الادبية والبعد الدلالي متداخلاً مع التأثير الانفعالي في نفس المتلقي، قامت حلقة براغ، والدراسات البنيوية من بعدها، بالانتقال الى المستوى النحوي العلائقي والنزوع نحو البنية كنظام شمولي من العلاقات الداخلية بين عناصر النص الادبي، وبذلك ظهرت سلسلة من الدراسات التي تبحث في المستوى الهيكلي العام لنوع معين من النصوص الادبيه، ولعل اوضح مثال على ذلك النوع من النشاط النقدي النظري الدراسات النقدية السردية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن الماضي.
فقد وجد نقاد السردية، وهي فرع من فروع الشعرية، ان هناك تماثلاً بنيويا بين عناصر النص وعناصر الجملة على المستوى التركيبي(7). وقاموا بدراسة (الخطاب السردي)، وهو يقوم على اقصاء اي مستوى من مستويات (المعنى) او المضمون وتحليل هيكلية البناء السردي شكلياً والكشف عن طبيعة العلاقات الداخلية التي تربط بين عناصر السرد، فاطلق على هذه النوع من الدراسات (بالسردية اللسانية) و أهم ممثليه جيرار جينيه و رولان بارت و تودوروف. وقد ظهر حقل مقابل من الدراسات السردية حاول اعادة الاعتبار الى اهمية الدلالة والمعنى بالاضافة الى التحليل النبائي، ويعرف هذا الاتجاه (بالسردية السيميائية)، و يهتم هذا التيار (بسردية الخطاب، من خلال عنايته بدلالاته، قاصداً الوقوف على البنى العميقه التي تتحكم به، ومتجاوزاً المستوى اللساني المباشر. ويهدف هذا التيار الى تقديم قواعد وظائفيه للسرد. ومن ابرز اقطاب هذا الاتجاه (فلاديمير بروب) و (كلود بريمون) و(غريماس)(8). وبذلك يكون من اهم اهداف الدراسات السردية بشقيها، البنيوي و السيميائي، هو الكشف عن مجموعة القوانين العامة التي تتحكم بانتاج الجملة وهي ما يعرف (بقواعد اللغة).
وبذلك تكون المدرسة الاسلوبية والشكلية والبنيوية قد تحركت وبشكل متناظر مع اتجاهات البحث اللساني بين المستويات المختلفة للجملة التركيبي والصوتي والدلالي. غير ان كل تلك المناهج اللسانية والنقدية لم تستطع تجنب الأشكالية الأهم في الحديث عن علاقة الدلالة بالسياق.
لقد اقصت الدراسات الحديثة اللسانية والنقدية السياق من دراستها لمستويات الجملة.وقامت بعزل الجملة او النص عن السياق ووضعها بين اقواس نظرية تمهيداً لتحليلها علمياً. ومع تراكم الدراسات وتنوع مجالاتها اللسانية، وصل البحث العلمي الى الضفاف نفسها التي غادرها من بدايه القرن الماضي. ولكنه اصبح الان يتمتع بمعرفة منهجية واسعة وعميقة وشاملة تمكنه من استثمار انجازاته المعرفية في فهم الاشكالية التي تواجهه. اصبح من الواضح ان على المنهج النقدي واللساني الحديث ان يخوض في مستوى جديد من مستويات الجملة وهو مستوى حاسم على صعيد تحديد الدلالة وفهم تحولاتها وتغيراتها. هذا المستوى الجديد هو الذي يطلق عليه (التداولية).
في الستينيات من القرن الماضي تسارعت التطورات الحاصلة في مجال الدراسات اللسانية وطرحت فكرة امكانية دراسة (المعنى) في اطار نظرية لغوية شكلية. ولقد أنجزت البدايات على يد الفلاسفة وليس علماء اللغة. فقد شكلت دراسات (أوستن) 1962 و (سيرل) 1969 نقطة تحول هامة. ومع بداية السبعينيات من القرن الماضي بدأ العلماء اللغويون أمثال (لاكوف) و (فرث) و (هاليدي) التوسع بدراسة اللغة منتقلين من العناصر النحوية و التركيبية في الجملة الى دراسة المعنى و السياق. ثم توالت الابحاث مع (جرايس) 1975 و (جيوفري ليتش).
الاشكالية من الناحية اللسانية كانت في أمكانية ادخال دراسة (المعنى) في حقل الدراسات اللغوية الحديثة بشكل عام. وبعد أن قبل تشومسكي، من خلال دراسته، للغموض و المرادفات في اللغة، ادخال و دراسة المعنى كجزء من البنية اللغوية الاساسية للجملة، لم يعد بالامكان تجاوز السياق، وبذلك قادت الدراسات المتعلقة بالمعنى أو مايعرف بعلم المعاني (Semantics) الى الدراسات التداولية (Pragmatics)(9).
لقد وضع تشومسكي أساس المدرسة البنيوية الأمريكية وشكلت أعماله أقوى الخطوط الدفاعية النظرية لتلك المدرسة التجريدية. غير أن الكثير من الدراسات بدأ بالظهور مهاجما و ناقدا لتصورات تشومسكي اللسانية. فقد نقضت الدراسات السوسيولسانية (Sociolinguistics مفهوم الناطق المثالي للغة ( Ideal Native Speaker). و أكدت الدراسات السايكو- لغوية ((Psycholinguistics على عملية التطور في اللغة، على العكس مما ذهب اليه تشومسكي، ورفضت نظريات تحليل الخطاب و تحليل النص التقيد بقواعد الجملة عند تشومسكي. بينما أظهر تحليل المحادثات اللغوية اهمية البعد الاجتماعي في دراسة اللغة.
وجاءت الدراسات التداولية لتبتعد كثيرا عن نظريات تشومسكي من خلال دراسة المعنى المتداول في الجملة بدلا من المعنى المجرد للمفردات المكونة للجملة. ويفترض العالم اللساني (ليتش) أن دراسة النحو ( النظام الشكلي المجرد للغة) و التداولية (دراسة اللغة على أساس ا لتداول او التخاطب) هما حقلان متكاملان في الدراسات اللغوية وليسا متعارضين تماما (10).
ويعتمد التفسير التداولي على المظاهر الأتصالية للغة، فبينما تكون التفسيرات النحوية شكلية أساسا تتحرك التداولية على المستوى الادائي ( (Functional للجملة. ويعرف (المعنى) في التداولية بالأحالة على المتكلم او مستخدم اللغة، بينما يعرف (المعنى) دلالياً عند المدارس الشكلية و البنيوية على أنه احدى خصائص الجملة في لغة معينة و بصورة مجردة عن اي موقف معين او متكلم او مستمع (11).
وهذا التطور التداولي (للمعني) لا يفترض تلازما بين (الشكل النحوي لمنطوق ما وما يحققه من حدث كلامي. فالجمل المتماثلة نحوياً يمكن ان تعبر عن احداث كلام متعددة وبالمقابل، فحدث كلام معين يمكن تحقيقه في اكثر من شكل).على حد قول هايمز. و بذلك يصبح المعنى كامناً في السياق التداولي وليس خصيصة داخلية للجملة. ولتوضيح ذلك يتساءل العالم الرياضي واللساني الشهير(فيثغشتاين) (هل بأمكاني ان اقول bububu وانا اود القول انه اذا لم يكن الجو ماطرا، فأنني ساخرج في نزهة) ويجيب: “داخل اللغة وحدها نستطيع التعبير عن شيء من خلال شيء اخر” (12). ان التداولية تتجاوز محددات الدلالة الى دراسة مدى امكانية الكشف عن قصدية المتكلم من خلال احالة الجملة الى السياق التداولي لمعرفه مدى التطابق او اللاتطابق بين دلالة الجملة لسانياً وظروف السياق، ومثلما درست النظريات اللسانيه السابقه مستويات الجملة التركيبية والصوتية والدلالية للكشف عن مجموعه القوانين العامه التي تتحم بتحديد دلالة المنطوق سياقياً. وقد حاول كل من (جرايس)و (ليتش) وضع قواعد للتأدب والمخاطبه والمحاورة مستمدة من السياق الاجتماعي والثقافي وتتجسد لسانياً من خلال المنطوق. وان أي خرق أو كسر لمجموعة القوانين السياقية ينتج عنه عدم التماثل بين المنطوق والسياق، وهو ما يسمى بانعدام الملائمه السياقيه. ان ما يحدث في حالة غياب الملائمة السياقيه وهو (خطأ تداولي)، وهذا الخطأ لا يخرق قوانين صوتية او نحوية او دلالية وانما يحصل نتيجة خرق احدى مبادئ محددات السياق الاجتماعية والثقافية. وحتى يتوافر عنصر التطابق بين المنطوق والسياق يجب تأمين عدة شروط تعطي للمنطوق قوته الادائية. فالكلام بالنسبة للتداولية ليس مجموعة جمل متراصفة مع بعضها ولكنه (حدث)، والتداولية بذلك تنقل حقل دراستها من القدرة (Competence) الى الاداء (Performance) بحسب تقسيم تشومسكي. ويرى (سيرل) ان اللغة سلسلة احداث في العالم وكان أول من وضع ما يعرف (بافعال لكلام) (Speech Acts) وتحدد نظرية افعال الكلام ثلاثة مستويات لكل منطوق؛ وهي (فحوى الكلام) (locution) ومقصد الكلام (Illocution) (اثر الكلام) (per locution). وكل منطوق مهما كان يتحدد بهذه المستويات الثلاثه والسياق الذي يحيط بها. ولتوضيح ذلك يورد العالم اللساني (ديفيد كريستال) المثال الاتي في موسوعته: ( اذا نطلق احدهم بجملة “اغلق الباب” فهذا يجب ان يتضمن على صعيد السياق أن الشخص المتكلم أعلى مرتبة من المستمع، وأن الباب في الغرفه مفتوح اساسا، وأن المستمع بوضع جسدي يمكنه من القيام بفعل غلق الباب)(13). اذ أن خرق أو غياب أي واحدة من تلك المحددات السياقية سيحدث حالة من اللاتطابق بين المنطوق والسياق ومن ثم يحدث ما يمكن تسميته (بالأنزياح السياقي) فمثلا في حاله التطابق السياقي يصبح المنطوق (أغلق الباب) جملة فعية أمرية عادية ، وفي حالة كون:
أ- المتكلم اقل مرتبة اجتماعية او تراتبية معينة من المستمع فعندها تصبح جملة اغلق الباب ذات مقصدية خاصة تشير الى خرق في قواعد التأدب وتدل على نوع من الأهانه أو التحقير.
ب- الباب مغلق اساسا من قبل لحظة النطق بالجملة، عندها يشير الخرق السياقي الى انحراف في دلالة الجملة نحو قول ذي مقصديه مغايره لغلق الباب. وقد يكون مقصد المتكلم “اغلق الموضوع”او “توقف عن الحديت بهذا الموضوع” مثلاً.
جـ- المستمع في وضع لا يسمح له بالقيام بفعل غلق الباب، فقد يكون مقيداً او لا يستطيع التحرك لسبب ما. عندها ايضاً يشير اللاتطابق الى خرق سياقي او انحراف يتمثل في وجود مقصدية مغايرة لدلالة المنطوق الحرفية.
وهنالك جمل لا تكتسب دلالتها الا من خلال مكانة الشخص المتكلم، مثل اعلان الحرب او اقامة صلاة او الحكم على متهم، وعند غياب الشخص المناسب اجتماعياً او دينياً او قانونياً او سياسياً يصبح المنطوق مفرغاً من الدلالة.
ان كل ما سبق ذكره عن التداولية في هذه الدراسة كان قد ورد في العديد من الدراسات والكتب اللسانية سواء باللغة الانكليزية او العربية، وان كان حقل التداولية ما زال يعد حقلاً جديداً على صعيد الدراسات اللسانية العربية. غير ان ما تحاول ان تنفرد به هذه الدراسة هو كيفية نقل آليات التحليل التداولي من المستوى اللساني او المجرد الى المستوى الادبي. يوجد هناك عدد من الدراسات في اللغة الانكليزية، و ان كان محدودا جدا، قد تطرق لتطبيقات التداوليه على النصوص الادبيه (14)، وقام النقاد واللغويون في تلك الدراسات بتطبيق نظريات التواصلية اللغوية والوظائفية (Communicative and Functional)على النص السردي وعلى مستوى الجملة. اما ما تقترحه هذه الدراسة فهو الانطلاق من نفس مبادئ (الشعرية) كما جاءت عند جان كوهين، وهي عبارة عن (خصيصة علائقية، أي انها تجسد في النص لشبكة من العلاقات التي تنمو من مكونات اولية سمتها الاساسية ان كلا منها يمكن ان يقع في سياق اخر دون ان يكون شعرياً، لكنه في السياق التي تنشأ فيه هذه العلاقات، وفي حركته المتواشجة مع مكونات أخرى لها السمة الاساسية ذاتها يتحول الى فاعلية خلق شعرية)(15).
ابتداء تقر الدراسة بوجود شبكة علاقات داخليه بين عناصر النص، الذي يعادل الرسالة او(فحوى الكلام) (locution)، غير ان هذه الرسالة لا تحمل اي (معنى) محدد بذاتها الا بعد موضعتها في سياق تداولي يتضمن المتكلم (المؤلف) او المستمع(المتلقي)، وبذلك يتوافر العنصران الاخران (مقصد الكلام) (Illocution) وأثر الكلام (Per locution).
ويبدأ التحليل التداولي نقدياً من البحث عن حالة لا تطابق بين المنطوق و السياق او مايعرف بغياب المواءمة. وهي هنا ان وجدت تمثل (انزياحا سياقيا) (Contextual Deviation) يماثل (الانزياح الدلالي) الذي تدرسه الدراسات الاسلوبية والشكلية على انه خطأ مقصود ذو قيمة جمالية فائضة. وبذلك يصبح (الانزياح السياقي) مصدر (الفجوه:مسافه توتر) على حد وصف الناقد الدكتور كمال ابو ديب، ويمكن ان يصبح الانزياح السياقي مؤشراً لقياس مدى الشعرية في النص الادبي تماما مثلما يكون الانزياح الدلالي مؤشراً جمالياً.
ومثلما اكد هايمز على عدم الترابط الشرطي بين التركيب النحوي للمنطوق ومايحققه من حدث كلامي، نستطيع القول ان الأدبية او الشعرية (ليست خصيصة في الاشياء ذاتها بل في تموضع الاشياء في فضاء من العلاقات. بدقه اكبر:لا شيْ يمتلك الشعرية، ماهو شعري هو الفضاء الذي يتموضع بين الاشياء)(16). اي بدلاً من اي يكون النص شعرياً يصبح السياق التداولي هو الشعري. وبهذا يكون حتى الانزياح الدلالي الذي ركزت عليه الدراسات الاسلوبية والشكلية كمعطى جمالي ليس خصيصة داخلية في النص. فتحديد جمالية النص يخضع لمعيارية ذوقيه ذات مرجعيات اجتماعيه وثقافيه وفرديه. وهذه المعيارية تتشكل في كل عصر بشكل مختلف ومن اتخاذ التحليل التداولي منهجياً نقدياً تطبيقياً يمكن ان نعيد ادخال السياق الى التحليل النصوصي وذلك بعد ما تم اقصاءه من النظرية النقدية للنقد الجديد والدراسات الشكلية والبنيوية لوقت طويل. فقد اطلقت عليه الشكلية الروسية (ميتافيزيقيا النص) واستبعدت امكانية دراسته دراسة علمية موضوعية. كما ويمكن ردم الفجوه القائمه بين النقد النصوصي والنقد السياقي.اي بين الشكلية والبنيوية وبين الدراسات الماركسية والتاريخية الجديده والتحليل النفسي.
وقد يتبادر الى ذهن القارئ ان وجود مثل تلك المدارس النقدية السياقية التي تؤكد على الظروف التاريخية والاجتماعية والنفسية لا يدع جديداً امام التحليل التداولي، اذ ان تلك المناهج النقديه قد سبقت التداولية بالتأكيد على السياق بوقت طويل، غير ان الجديد الذي تطرحه التداولية باستخدامها منهجاً نقدياً هو دراسة السياق انطلاقاً من التحليل اللساني للنص.
فالتداولية لا تتجاوز مبدأ دراسة المظهر الفيزيائي للنص الذي يتجسد من خلال اللغة، ولكنها تتحرك الى مديات ابعد من الدلالة المباشرة للكلمات المكونة للمنطوق. اي ان التحرك التداولي ينطلق من النص لسانياً الى الكشف عن الانساق الثقافيه والفكريه التي تشكل سياق النص.
وتقترح هذه الدراسه كذلك امكانيه اشتغال التحليل التداولي ضمن الفضاء النقدي المعرفي الخاص (بالنقد الثقافي). اذ ان التداولية تهتم بالكشف عن قصدية المتكلم ، كما سبق ان ذكر، وفي حالة دراسة النص الادبي فان المؤلف يحل محل المتكلم في السياق التداولي. وتقوم الدراسات التداولية النقدية باعادة الاعتبار ( لقصدية المؤلف) كأحد اهم منطقات التحليل التداولي. ان التأمل المعرفي لما هية (قصديه المؤلف) يحيلنا الى (منطقة الوعي) عنده كفرد عاقل يقوم بانجاز فعل(وهو انتاج النص الادبي). وقد اكدت الدراسات الايديولوجية والماركسية الجديدة والمادية الثقافية والتاريخانية الجديدة والنسوية جميعها على اشكالية مركزية، وهي خضوع وعي الفرد في مجتمع معين وفي لحظة تاريخية معينة لسلطة الخطاب المؤسساتي والذي يمارس هيمنة تتمثل في سلطة الاقصاء والتهميش لبعض المقولات والمبادئ والانساق الفكرية والثقافية التي تعارضه. واذا سلمنا بذلك ندرك ان مصطلح (قصدية المؤلف) يصبح محدوداً جدا من الناحية الثقافية وان الخطاب الثقافي المهيمن او الانساق الثقافية العامة تصبح هي المؤلف الحقيقي. ويشير الدكتور الغذامي الى دور الخطاب المؤسساتي في (ترويض الجمهور ودفعهم الى القبول بالانساق المهيمنه والرضى بالتمايزات الجنسية والطبقية) (17). ان التطابق او الانسجام بين المنهج النقدي التداولي والنقد الثقافي لا يقتصر على صعيد التحليل النظري المنطقي ولكن يتعداه الى المصطلحات المستخدمه نفسها. (فسيرل) يعتبر اللغة سلسلة احداث. اي ان الجملة هي حدث كلامي. بينما يعرف النقد الثقافي النص الادبي على انه حادثة ثقافية (18). للنص اثر فاعل على المستوى الثقافي و الذهني للمتلقي يمثل ما يسمى (اثر الكلام) (Per locution)، بينما تتجاوز مقصدية النص القصدية المباشرة للمؤلف (Illocution)، اذ يكون وعي المؤلف جزءا من الوعي الجمعي لطبقته ومجتمعه الواقع تحت هيمنة خطاب مؤسساتي ما، كما أكد ميشيل فوكو.
ومما سبق يمكننا ان نقترح باطمئنان الفضاء النقدي الثقافي مجالا لاشتغال اليات التحليل النقدي التداولي للنص. وبذلك يمكن للتداولية مساءلة النص الادبي تماما كما تصور الناقد المابعد-بنيوي (جوثان كلر)(19). أي ان بامكاننا احلال التحليل التداولي كآلية منهجية علمية محل التأويل المضاعف عند (كلر) لضبط عملية التأويل الحر والاعتباطي مع التمتع بنفس الفاعلية على مساءلة النص الادبي والانتقال من المستوى الدلالي المقيد للتأويل الطبيعي الى مستوى السياق الثقافي والتاريخي والاجتماعي.
* عن ” أدب – فن ” ـ بتصرف يسيرجدا .
http://www.adabfan.com/studies/5214.html
المراجع:
ا- د. بشرى موسى صالح :”المرآة والنافذة”، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2001، ص16.
2- Geoffrey n. Leech: “principles of pragmatics”, Longman 1983, p1
3- نصر حامد ابو زيد وسيزا قاسم (اشراف): “مدخل الى السيميوطيقيا- مقالات مترجمة ودراسات”، دار الياس العصريه- القاهرة، ص354.
4- كمال ابو ديب: “في الشعريه”، مؤسسة الابحاث العربية، ط/لبنان 1987، ص 15
5-Fredric Jameson: “The prison-house of Language”, Princeton university press, Princeton n.j.1972, p71
6-د. بشرى موسى صالح: “المرآة والنافذة”، ص13.
7-Roger Fowler: “Linguistics and the Novel”, Routledge 1985, p123
8- د. عبدالله ابراهيم:”المتخيل السردي:مقاربات نقديه في التناص والرؤى والدلالة”، المركز الثقافي العربي ط/،199 ،ص 146
9-, p2. “Geoffrey. N. Leech: “Principles of Pragmatics
10-Ibid, p5
11- Ibid, p6
12- أمبرتو ايكو: “التأويل بين السيميائيات والتفكيكيه”، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي ط/2000 ،ص187
13-David Crystal:” Cambridge Encyclopedia of language”, p121
14-راجع مثلا:
- Teun A. Van Dijk: “Pragmatics of Language and Literature”.
- Richard J. watts: “The Pragmalinguisic Analysis of Narrative Texts”
15- كمال ابو ديب: “في الشعرية”، ص14
16- نفس المصدر، ص58
17- د. عبدالله الغذامي: “النقد الثقافي ، قراءة في الأنساق الثقافية العربية”، المركز الثقافي العربي ط/2001، ص 22.
18- نفس المصدر ص 56
19- أمبرتو ايكو: “


http://www.startimes.com/?t=21875354 

الأحد، 3 سبتمبر 2017

مآزق المناهج النقدية المعاصرة المنهج السميائي نموذجا

موضوع: مآزق المناهج النقدية المعاصرة المنهج السميائي نموذجا   الإثنين ديسمبر 05, 2016 5:00 pm

الاستاذ : اوماوي مصطفى

تكشف هذه المداخلة عن أهمية المنهج النقدي في تحليل النص الأدبي ،وأهم المشاكل التي تشكو منها المناهج النقدية المعاصرة ،والمنهج السيميائي على وجه الخصوص وصولا إلى أزمة النقد السيميائي على مستوى المنهج(التنظير)،وعلى مستوى التطبيق على الظاهرة الأدبية، والنتائج التي توصلت لها المداخلة تعطي رؤية نقدية حداثيّة في تناول الظاهرة النقدية في مجال العلوم الإنسانية من خلال عرضها جملة من النقاط التي يجب على الناقد مراعاتها أثناء قيامه بأيّة عملية نقدية وصولا إلى تكامل المناهج النقدية السياقية النصانية معا، ومن ثم محاولة إبداع نظرية عربية نقدية أصيلة تتناول الظاهرة الأدبية نقدا وتحليلا وهذا من خلال إبراز تظافر جهود النقاد المشارقة والمغاربة في هذا الصدد.



* تمــهيد:
تعدّ المناهج النقديّة المعاصرة وسائل وأدوات مساعدة على سبر أغوار الظاهرة الأدبيّة وليس غاية في حدِّ ذاتها، ففي البدء كان الخطاب الأدبي ثمّ كانت الممارسة النقدية،التى لازمته وتطورت إلى مناهج النقد المتنوعة "سياقية" كانت أو "نصانية" من خلال البحث عن مقصدية الكاتب، واستقصاء تجليات الخطاب الأدبي، واستقراء الظواهر الفنية، الفضاءات النصيّة داخل العمل الأدبي، لهذا كان فرض أي منهج على خطاب، أو عمل أدبي ما كفيل بتكريس عملية نقدية منحرفة، ولغة واصفة عقيمة ومن هنا كان عمل الناقد تحرِّي الموضوعية والروح العلمية في التعامل مع الظاهرة الأدبية لأنّه تعامل مع الذات المنتجة وسط بيئة سياسية ،واجتماعية وتاريخية.
وعليه نجد الناقد المعاصر يتحرى ويبحث وسط المناهج النقدية النصانية المعاصرة خاصة "الأسلوبـية أو البنيوية، أو التفكيكية ، أو السيميائية، أو التداولية" وغيرها من المناهج التي تولي اهتماما بالنص على حساب الناص "الكاتب"وذلك وفق آليات وأدوات إجرائية تتحقق مع النص الأدبي المراد استنطاقه أو تحديد القراءة النقدية المناسبة له وهذا لن يتحقق إلاّ من خلال الممارسات والتجارب النقدية المتواصلة التى يكتسبها الناقد من خلال تمرّسه على مختلف النصوص الأدبية الشعرية أو السردية، ومن هنا كان "المنهج السيميائي" من بين مجموع المناهج النقدية المعاصرة التي تعرضت للنقد الشديد رغم تخصص الكثير من الباحثين وتمرسهم في تحديد آلياته الإجرائية للممارسة النقدية الجادة.
1- المحور الأول:الظروف التاريخية في نشأة المناهج النقدية المعاصرة
عرفت النظريات اللسانية الغربية في القرن العشرين» ردات فعل على المناهج السابقة تجلت في التحريض على دراسة الأدب من الداخل والتركيز، أولاً، وقبل كل شيء على الآثار الأدبية ذاتها، وهكذا بدأ الاتجاه (الألسني) في تحليل النصوص الأدبية « (1) حيث حدثت تطورات ايجابية خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين إذ انحسرت المناهج السّـياقية ( كالمنــهج التاريخي،والنفسي المقارن،والنفسي،والاجتماعي) لتأخذ مكانها المناهج "النصانية" التي تنبني على رؤية فكرية للوجود والكون والتاريخ والإنسان فتنطلق من النص ، وتعود إليه ، فإن أصحاب الاتجاهات النقدية الجديدة يرفضون اليوم نسبة النص إلى مبدعه. فلا ينسبونه إلا إلى نفسه، لأن تحليل النص الأدبي يقتصر على تحليل (النّص) وحده، دون التعرض لعلاقته بمبدعه، أو للظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أحاطت بمولده، ويحصر همّه في تحليل (وحدات) النّص، و(بنياته) الدّالة، وعلاقاتها بعضها ببعض، فكان المنهج السيميائي واحدا من أهم المناهج النصانية التي لقيت اهتماما بالغا من الأدباء والنقاد ،إذ تنطلق من» محاولة تجاوز المآخذ والنقائص المسجلة على النقد البنيوي ، والمتمثلة في الرؤية المغلقة للبنية الأدبية. « (2 )
وعليه أصبحت القراءة بديلاً من النقد، فلكي تتمّ القراءة لابدّ من حضور طرفيها (النص- القارئ) حضوراً حواريّاً تفاعليّاً، ولايتمّ هذا الحضور إلاّ إذا كان الطرف الأول (النّص) ثريّاً، وكان الطرف الثاني(القارئ) عاشقاً، وهو عاشق من طراز رفيع، لطيف، مبرأ من السادية والمازوخية، يحترم في الآخر قدرته على الحوار والتواصل والتمتّع، كما يحترم في الوقت ذاته استقلاله الشخصي عن بقيّة العشّاق، فهو ليس صورة عن أيّ عاشق آخر في الكون، ولذلك فإن ثمة وجوه اختلاف، وثمة وجوه اتفاق بين النقد والقراءة.‏
وتعدّ المناهج النصانية التي أصبح النقاد يستخدمونها مناهج أقلّ سلطة وأخفّ وقعاً على النص الأدبي، وهي تسهم إلى حدّ بعيد في تعميق فهم القارئ للنص من خلال فتح حوار تفاعلي بين النص والقارئ، فيستطيع الأخير أن يتعرّف النص، ويكتشف كنوزه وخباياه وأسراره وطبيعة علاقاته، ولعلّ أهمّ شيء ينبغي أن يكون عليه الباحث هو التسلح بمصطلحات ومنهج قبل مقاربة النص تقدّم المقروئية اليوم للقارئ مناهج مختلفة عن السيميولوجية والتفكيكية ونظرية التلقي، وعليه » تحاول الاتجاهات النقدية الجديدة النظر في المؤثرات النصّية السابقة على النص« (3)
وإذا كانت اتجاهات النقد العربي تتفاوت في محاكاة نموذج النقد الغربي بكل صورها النظرية والتطبيقية » اقترابا وابتعادا انقيادا استيحاء، متابعة ولهاثا، فإنّ هذه الاتجاهات تظل متأثرة تأثرا يأخذ شكل الإنصات السلبي والتبني الجاهز« (4) ومن هنا تبقى آراء نقادنا مجرد صدى وترداد لتلك النغمات النقدية التي يقوم الأخر بعزفها على سيمفونية الآلة النقدية ،في حين يرددها الناقد العربي ، ويحاول أن يؤسس لها مناخا ترتكز عليه ، وأنصارا ينتصرون لفكرة الغير على حساب النقد والنص العربي الأصيل» على أنّ الأصل الأصيل لمناهج البحث الأدبي هو وحدة الحضارة الإنسانية فكل عناصرها الطبيعية والاجتماعية والسياسية متشابكة متافعلة لا يستقل أحدهما بالحياة منفردا ،وإنما يتصل بسائر مؤثرا ومتأثرا فإذا أردنا دراسة الادب كان علينا – منهجيا- أن نلاحظ آثار تلك العناصر في صياغته وتطوره« (5)

1-1.ظاهرة صراع المناهج النقدية: في ضوء الواقع النقدي، وصراع المناهج النقدية نرى أن هناك مشكلة كبرى تتمثل في عدم تحديد المنهاج النقدي، و المصطلح ومن ثم في بناء نظرية نقدية عربية أصيلة يتفق عليها جميع النقاد المغاربة والمشارقة، فحالة الضعف التي نعيشها على عدد من الصُّعُد تؤكد تبعية التجدد والابتكار في الثقافة عامة والأدب والنقد خاصة. والمثقف الناقد القارئ المدقق المتوازن الموهوب في حساسيته وفطرته وعلمه هو من يصنع الفكر؛ أمّا ما نراه على ساحة الأدب والنقد فهناك أشكال غير قليلة انتهت إلى الاستلاب الإرادي والثقافي؛ وإلى بلبلة فكرية وسياسية وشللية ودينية وقومية، فكلما اخترع الغرب مصطلحاً ما؛ أو منهجاً طفقنا ننتصر لـه ونحن نمارس تبعيتنا بلذة مغرية، وشرعنا نعيب على نقادنا القدامى تقصيرهم عما وصلت إليه حركة النقد الحديثة بل كلما ظهرت في الغرب مفاهيم جديدة أقلع نقادنا المحدثون عن السابقة وألغوا ما قاموا به، صحيح » إن المقاييس الغربية ـ حتى إن فُهمت أحسن فهم وأصحه ـ لن ينتج تطبيقها على الأدب العربي خيراً.
ذلك لأنَّ هذه المقاييس قد استخلصت من دراسة أدب تختلف طبيعته عن طبيعة الأدب العربي اختلافاً عظيماً«(6) وهكذا شرع هؤلاء النقاد الباحثون خاصة المشتغلون في الحقل الأكاديمي (وحدات البحث) المختلفة استخدام كل حقول المدارس النقدية الغربية والتغني بمصلحاتها ،وحتى بأصحابها وكأن نقادنا العرب غابوا عن ساحة النقد تماما » الأمر الذي يظهر "الحداثية" و" التقدمية " ويخفي حقيقته التي هي "التبعية"، وتحقير الذات«(7)
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل هناك العديد من المصطلحات النقدية التى أساسها النقد العربي القديم ،ومن ثمة نسبت إلى النقد الغربي، وهذا ما تجاهله النقاد المحدثون الذين اشتغلوا في حقل الشعرية والبنيوية والتفكيكية ونظرية التلقي والتداولية،وهذا كلّه كون لديهم مجموعة من التراكمات والتشوهات النقدية على المستوى النظري والإجرائي في المنهج والمصطلح وحتى في أساليب معالجتهم للنصوص الأدبية وخلق ألوانا من الصراع اللامتناهي بينهم في قراءة النصوص حيث » لحق بالنص الأدبي ضرر محقق من جرّاء المغالاة في إخضاعه لمناهج "العلوم الإنسانية" وذلك حين قيدت النظرة إليه بحدود المناهج التي يفسر بها« (Cool تلك النصوص على اختلاف أجناسها ،وأشكالها تبقى مفتوحة القراءة على أن يختار لها الناقد الحاذق المنهج النقدي الملائم لها،و أن يحسن الاختيار من بين الكم الهائل من الإبداع الأدبي وهذا الاختيار ضرورة وحتمية فرضتها طبيعة النص الأدبي.

1-2. ظاهرة التكامل بين المناهج النقدية:
وتظل القراءة النقدية الواعية مفتاحا إجرائيا للولوج إلى المناهج النقدية والأدبية مجتمعة أو منفردة، وعلى تقنياتها؛ فتبيح الشمولية والموازنة والمقارنة، وبهذا آثرناها ليس باعتبارها محطة نقدية وإنما باعتبارها طريقة فنية تؤدي إلى تأسيس منهج نقدي عربي تكاملي أصيل غير معزول عن المناهج النقدية والأدبية؛ وعن العلوم المساعدة الأخرى ، إذ تعمل على» افتتاح فضاء للخطاب النقديّ يتسع للحوار، وبالحوار، بين تيارات الخطاب العربيّ واتجاهاته وميوله«(9)، وهذا يتضح في انفتاح المناهج النقدية يكمل بعضها الآخر خاصة في الفكر المنطقي والرؤية التحليلية
وهكذا تحمل جيل الستينيات الممتد إلى حاضرنا الراهن، مع شباب نقاد، تأكدت لديهم رغبة الدرس النقدي أكاديمياً، في الحقول المعرفية، جامعياً، وذلك وفق المناهج الحديثة، ليتوصلوا مع المعطى النقدي الجديد درساً وبحثاً وتطبيقاً،حيث استطاع المثابرون منهم التوفر على (أسلوبية) معاصرة تجلت فيها (النقدية) في محاولة للارتقاء بالأثر النقدي إلى مرتبة (نص إبداعي) دون مصادرة جهد الرواد، والاتجاهات التالية، أو الاستخفاف بهما، وإن تشابكت، أحياناً، المناهج، أو احتدم النقاش تحيزاً لها ودفاعاً عنها، حتى تتأكد "المنهجيات" وتتأصل في التطبيق، وفق آلية واضحة، وإجرائيات ملموسة، وفي هذا الصدد نجد‏ إحسان عباس يرى أنّ » النقد لا يقاس دائماً بمقياس الصحة أو الملاءمة للتطبيق، وإنما يقاس بمدى التكامل في منهج صاحبه«(10)
تتأتّى أهمية التكامل بين المناهج النقدية من كونها الوسيلة القادرة على تنظيم البحث النقدي من خلال إجراءات محددة ،ووفق طرائق خاصة، ولا يسع الناقد الاستغناء عن هذه المناهج،حاضرة أو غائبة فهي بحاجة ماسة إلى » منهج أو أكثر ليستهدي به، إذا ما أراد أن يكون عمله جاداً تؤطره نظرية واضحة المعالم لتحدد له المسالك التي ينبغي له أن يسلكها وتجنبّه المزالق والعثرات«(11) النقدية وخاصة إذا كان العمل المقدم أكاديميا فإنّه يستدعي أكثر من منهج نقدي ليؤسس ظاهرة التكامل المنهجي،والمعرفي بين آلية التنظير والتطبيق على النص الأدبي،ومن هنا نجد حين يخوضون غمار النقد فهم يجمعون بطريقة أو بأخرى بين النقد المعياري والسياقي والنصاني بدق متناهية بشكل غريب ،وبهذا تتم معم عملية الازدواجية المعرفية للباحث والمبدع على حد سواء لتنبني أسس التكامل بين حلقات النقد القديم والحديث والمعاصر.
2- المحور الثاني: المنهج السيميائي وإشكاليات تطبيقه على الظاهرة الأدبية
ومن المعلوم أن اللِّسانيات الحديثة كانت منطلق المناهج النقدية النصانية وخاصة "السيمياء" التي تعددت اتجاهاتها وفروعها وأنصارها ومصطلحا تها الغريبة عن أدبنا،ونقادنا على وجه الخصوص، ممّا أفرز الكثير من الإشكاليات النقدية التطبيقية منها على وجه الخصوص أزمة توحيد المصطلح بين النقاد في عملية التحليل النقدي، وصعوبة تحيد الأدوات الإجرائية المطبقة على النصوص النقديـة ومن ثم عدم الوقوف على اتجاه نقدي معين يقف عليه النقاد لتوحيد فعل النقد المؤسس وفق تقنيات متفقة بين الناقد والناص، حيث في أغلب الأحيان نعدد القراءات النقدية السيميائية إلاّ أنها في نهاية الأمر تبقى مختلفة الأطر والأدوات المستعملة في عملية النقد الأدبي، والأكثر من ذلك لو تسأل صاحب الإبداع عينه حول النقد المسلط على منتجه لأجابك بأنّه لم يقصد كذا ، ولم يقل كذا ومن ثم تبقى مسألة "قتل المؤلف / والإبقاء على النص" مسألة تبقى بحاجة إلى إعادة نظر،وطرح نقدي عربي جديد ينظر للنص والناص عل حد السواء.
لا يختلف اثنان على أن المناهج النقدية الحديثة ومن بينها المنهج السيميائي هي ثمرة ثقافة غربية (أوربية وأمريكية ) وحصيلة حضارتها المادية ،وأنها انتقلت إلى العالم العربي مثلها مثل باقي معالم الحضارة عن طريف موجة التأثير الغربية التي هزت العالم العربي ،فلم يعد بوسعه إلا التبني أو التقليد أو إعادة التصنيع – إن صح القول – بحسب ما يناسب الحضارة العربية ،وهذا ما حدث عند ظهور علم السيمياء الذي عرفه الوطن العربي "منذ منتصف السبعينيات(12) .
2-1.الإرهاصات التاريخية لعلم العلامات" السيمياء"
تعدّ بداية الستينات من القرن العشرين البداية الفعلية لعلم العلامات في كل أنحاء العالم، من خلال مصطلحين متداولين في الثقافة الغربية الفرنسية والأمريكية، وهما مصطلحا: (سيميولوجيا / سيميوطيقا) إلى أن اتحدا باسم السيميوطيقا بقرار اتخذته الجمعية العالمية للسيميوطيقا التي انعقدت في باريس سنة 1969م، ومن الأعضاء النشطين في هذه الجمعية " يوري لوتمان ، أمبرتو إيكو" ، وأخيرا نجـد الناقدة البلغارية " جوليا كريستيفا ".
كما» انعقد بميلانو في إيطاليا سنة 1973م ، أول مؤتمر عالمي للسيميوطيقا، وأثار هذا المؤتمر أهم مفاهيم السيميولوجيا النظرية، والإجرائية« (13)، حتى أن الجمعية الدولية التي تأسست في فرنسا سنة 1974م ، اختارت لها اسم سيميوطيقا، ولم تختر اسم سيميولوجيا، وإن كان المصطلحان متشابهين جدا سواء في سيميولوجيا دي سوسير ،أو سيميوطيقا بيرس ، فإنه لابد من الإشارة إلى ذلك الدور الذي لعبته في حقل تطور هذا العلم.
ومن ثم فقد عرف علماء الغرب (السيميولوجيا) تعريفات متنوعة، لكنها تصب في منبع واحد فهي "العلم الذي يدرس العلامات" ، وهذا ما أشار إليه كل من " تزفيتان تودوروف" و " جوليان قريماس" و " كريستيان ميتز" ، وآخرون.
حيث إن السيميولوجيا تتكون » من الأصل اليوناني:"Sémeîon" الذي يعني علامة، و " Logos " الذي يعني خطاب« (14) كما تعني أيضا ذلك » العلم الذي يبحث في أنظمة العلامات لغوية كانت ، أو أيقونية ، أو حركية« (15).
ويبدو أن تعريف " جورج مونان" ، أوفى هذه التعريفات وأجودها، إذ يحدد السيميولوجيا بأنها »العلم العام الذي يدرس كل أنساق العلامات (أو الرموز) التي بفضلها يتحقق التواصل بين الناس« (16)، أما العلماء العرب ، ومن بينهم "صلاح فضل" فقد عرفها بأنها » العلم الذي يدرس الأنظمة الرمزية في كل الإشارات الدالة، وكيفية هذه الدلالة«(17) في حين ذهب " محمد السرغيني" بقوله: » السيميولوجيا هي ذلك العلم الذي يبحث في أنظمة العلامات أيا كان مصدرها، لغويًا، أو سننيًا، أو مؤشريًا« (18) ، ويبدو من خلال ما ذكر من تعاريف سابقة، أن أصحابها يتفقون على أن السيميولوجيا أو السيميوطيقا علم يهتم بالعلامة والأنظمة اللغوية.
كما يشمل هذا العلم ميادين واسعة متباينة » كعلامات الحيوانات ، علامات الشم، الاتصال بواسطة اللمس ، الاتصال البصري ، أنماط الأصوات والتنغيم "intonation" ، والتشخيص الطبي ، حركات وأوضاع الجسد، الموسيقى، اللّغات الصورية ، اللغات المكتوبة ، الأبجديات المجهولة ، قواعد الأدب … « (19).
وفي» نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين ارتبط ظهور علم العلامة بوجود عالمين يرجع الفضل إليهما في ظهوره ، بالرغم من عدم معرفة كل منهما بالآخر« (20) حيث ينتهيان إلى علم واحد بمصطلحين شائعين هما "Sémiologie" من "Sémion" اليونانية حسب اللغوي فرديناند دي سوسير، "F. De Saussure" (1856-ت1913م)، ولقد حصر سوسير هذا العلم في دراسة العلامات في دلالاتها الاجتماعية، أو"Sémiotics" حسب الفيلسوف "شارل ساندرس بيرس" "Ch. S. Pearce" (1838-ت 1919م) الذي جعل العلامة تدرس منطقيا.
وفي نهاية الأمر حدد غريماس الفارق بين المصطلحين في اللغة الفرنسية، بأنْ جعل "السيميوطيقا" تحيل إلى الفروع؛ أي إلى الجانب العملي والأبحاث المنجَزة حول العلامات اللفظية وغير اللفظية في حين استعمل "السيميولوجيا" للدلالة على الأصول؛ أي على الإطار النظري العام لعلم العلامات، وفرق آخرون بين المصطلحين على أساس أن "السيميولوجيا" تدرس العلامات غير اللسانية كقانون السير، في حين تدرس "السيميوطيقا" الأنظمة اللسانية كالنص الأدبي.
2-2. المنهج السيميائي وآلية تطبيقه :
شهد الخطاب النقدي المعاصر رجات ،وتحولات كبرى وعميقة في العقود الأخيرة من القرن العشرين ،فتحولت القراءة من قراءة أفقية معيارية الى قراءة عمودية متسائلة تحاول سبر أغوار النص، ولا سبيل إلى هذا الفعل النقدي إلا بالتسلح بالمنهج السيميائي الذي » يرفض التصورات النقدية التقليدية التي تهتم بسيرة المؤلف« (21) ويعتبر النص بنية قابلة للتأويل فينظر إليه من زاوية أنه » قطعة كتابية من إنتاج شخص أو أشخاص عند نقطة معينة من التاريخ الإنساني وفي صورة معينة من الخطاب،ويستمد معانيه من الإيماءات التأويلية لأفراد القراء الذين يستملون الشفرات النحوية ،والدلالية ،والثقافية المتاحة لهم« (22)
فمن هذه النقطة بالذات اكتسب المنهج السيميائي في خصوصية وأصبحت القراءة النقدية على ضوئه قراءة إنتاجية تحاول تقريب القراءة من الكتابة ،فيصبح القارئ كاتبا ،ومنتجا ثانيا للنص،لأن القراءة السيميولوجية تعتبر أن النص يحمل أسرار كثيرة تستفز القارئ لفك رموزه انطلاقا من فهم العلاقة الجدلية الموجودة بين الدال ، والمدلول وبين الحاضر ،والغائب فتبدأ عملية البحث عن المعنى الغائب انطلاقا من دراسة الرموز التي تجعل الدلالة تنحرف باللغة الاصطلاحية إلى لغة ضمنية عميقة فالمنهج السيميائي في قراءة النص الأدبي نجده » ينبثق من النص نفسه ويتموقع فيه بوصفه شكلا من أشكال التواصل يربط علاقة تفاعل بين النص والقارئ لأن القارئ ينشط على مستوى استنطاق الدال النص مما يجعله يتفاعل مؤثرا في النص أو متأثرا به« (23)
أما عن آلية التحليل السيميائي فتختلف حسبا للجنس الأدبي المراد تحليله لكن هناك نقاط ربط مشتركة بين جميع الأجناس والتي أشار إليها أستاذنا "على زغينه" – رحمه الله-في مقاله مناهج التحليل السيميائي إذ جعل استعمال المنهج السيميائي على مرحلتين :
أ-المرحلة الأولى : هي مرحلة القراءة وهي قراءة تختلف عن قراءة النقاد العادية بانفتاحها الدائم ويرجع هذا الانفتاح إلى عدة أسباب أهمها أن النص يعني شيئا على مستويات عديدة في المكان وفي لحظات عديدة في الزمان لذا تختلف كل قراءة عن أخرى.
ب-المرحلة الثانية: هي مرحلة الانتقال من المادية إلى مرحلة المعنى وعلى هذا يمكن القول أن معنى الكلمات التي نجدها في المعاجم ليس دائما نفس المعنى الكلمات الذي نجده في التواصل العقلي وعلم العلامات لا يهتم إلا بالمعنى الأخير» وهذا يعني أنه يمكن أن يكون لـ: الدال الواحد مدلولات متعددة وأن كل قراءة جديدة يمكن ان تكون تفسيرا مختلفا« (24)
فالأصل في تحليل السيميولوجي هو تحليل المقاطع والوحدات، و يتميز هذا النوع من التحليل» باعتماده على محور التوزيع فعندما تجمع قطع التحليل المبعثرة يمكن إعادة بنائها (...) هكذا تتراكب القراءة المقطعية (...) وتوجد داخل المقطع الواحد مقاطع صغرى،هي عبارة عن مجموعات غير متحركة ،ولنقوم بتحليل أساسه المقاطع يجب أن نبدأ بقراءة النص كلمة كلمة ثم نعيد بناءه (...)،ونلاحظ عند تحليل أن بعض الأبنية تبرر أكثر من غيرها ،لذا يمكن ترتيبها وفقا لمجموعة من التيمات على محور التوزيع(...) ،لكن يجب أن يكون تحليل المقاطع تحليلا مفتوحا بمعنى ألا يكون منحازا وألا يصدر أحكاما« (25)
وهذه ما هي إلا آلية من الآليات السيميائية العديدة التي تسهم في تفكيك النص وبالتالي تأوليه ،شريطة أن يتمتع المؤول بقدرة منهجية ،ومعرفية واصطلاحية معتبرة.
2-3. رواج المنهج السيميائي في الدراسات العربية :
عرفت الحركة النقدية المعاصرة رجة قوية بعد تسرب المنهج السيميائي إلى حدود العالم العربي وتغلغله في الممارسات التحليلية النقدية للنصوص الشعرية ،والروائية خاصة ،فانكب عدد من النقاد على التلقي النظري والإجرائي التطبيقي لمعطيات هذا النهج الجديد .
وعلى هذا فان الوطن العربي عرف القراءة السيميائية منذ منتصف السبعينات وأخذت تتأسس خلال الثمانيات من بوابة المغرب العربي المعاصر ،وهذا من خلال الأقلام التي أسهمت في هدا الحقل ،نشير على وجه الخصوص لا التعميم لكل من » محمد مفتاح ، وعبد الفتاح كليطو، ومحمد الماكري ،والسعيد بن كراد من المغرب ،وعلي العشي ،وسمير المرزوقي من تونس ،وإلى عبد المالك مرتاض وعبد القادر فيدوح ، وعبد الحميد بورايو ، ورشيد بن مالك ، والطاهر رواينية في الجزائر ،وعبد الله الغذامي في السعودية ، ومحمد خير البقاعي من سوريا وهناك لبنانيون ،عراقيون ومصريون« (26 )
وبالرغم من الاهتمام البالغ من النقاد العرب بهذا المنهج الجديد إذ وجدوا فيه ضالتهم في تحليل النصوص إلا أن مشكلة غياب استراتجيات واضحة بأساسياته التي نشأ عليها في أوربا ظلت المشكلة والعائق الأول في الاسترسال النقدي السيميولوجي.
نظرا لحداثة الموضوع على الثقافة الغربية النقدية المعاصرة فإننا نلاحظ الاختلاف في ترجمة المصطلحات المتعلقة بحقل السيمياء ،بداية من مصطلح "السيميائية " ذاته ،إذ تعددت الترجمات ( كالعلاماتية ،الإشارتية ،علم العلامات) أو غيرها، والسبب في هذا الاختلاف هو أن » وضع المصطلحات السيميائية في العالم العربي يختلف تماما عما عليه في أوربا ،إذ لم يرق بحكم التضارب الموجود في المصطلحات المستعملة الى بلورة نموذج مؤسس لخطاب علمي دقيق يضبط مفاهيمه ،وأدواته الإجرائية الخاصة به سلفا« (27 )
وقد قام النقاد العرب أو السيميائيون العرب – إن صح القول – بداية بترجمة بعض الكتب الغربية الخاصة بعلم السيمياء وتأليف بعض الكتب اللسانية السيميائية ،ومن ثم تأليف بعض المعجمات للمصطلحات الغربية وتعريبها ،ثم انتقلوا إلى التأليف النظري ،قبل أن يخصصوا مؤلفات لتطبيق السيمياء على النصوص وقد تناول "حفناوي بعلي" هذه الرحلة السيميائية العربية في مقالته: » (التجربة العربية في مجال السيمياء ) فذكر ثلاثة أنواع من المصادر العربية الحديثة التي يمكن من خلالها دراسة واقع السيمياء« (28 ) ،ومع ذلك نجد المنهج السيميائي بقي غير مفهوم عند أغلبية النقاد المحدثين لتشاكله مع البنيوية، وأيضا الرؤية الفلسفية التي كانت تحيط به على المستوى المنهج تنظيرا وتطبيقا.
2-4. الإشكاليات النقدية المطروحة في المنهج السيميائي:
عرف النقد السيميائي مثل غيره أزمة نقدية كادت أن تعصف به وهذا على الصعيديين الآتيين:
أ- على مستوى المنهج(التنظير):
تواجه النقد السيميائي حاليا مشكلة تعدد المفاهيم النقدية لهذا المنهج النصاني و من ثمّ» تباين الخلفيات المنهجية والمنطلقات النظرية« (29) خاصة لدى النقاد المشتغلين في حقل المنهج السيميائي، وتؤدي هذه الإضطرابات المعرفية المفهومية حتما إلى حجب الرؤية الصحيحة والعميقة عن ذهن المتلقي مما ينشىء» القطيعة بين القاريء العربي والنظرية السيميائية« (30) ، وعليه أحصى الناقد "عبد الله بوخلخال" ما يقارب تسعة عشر مصطلحا للسيمياء وحدها والتي منها » السيميائية، السيميولوجية، علم العلامات،الدلائلية... « (31) إلاّ أنّ مشكلة المصطلح تبقى على أهميتها النقدية ثانوية ،وذلك أنّه مهما تعددت المصطلحات لمنهج نقدي فهي تبقى أصيلة في تضمين مفهوم واحد هذا ما أشار إليه "بشير تاوريريت" قائلا:» فجملة المصطلحات الرد يفة لمصطلح السيميائية كلها تحيل إلى مضامين المنهج سواء على المستوى النظري أو الإجرائي، فعلى صعيد الدلالة المصطلحية لافرق بين مصطلح السيميائية والسيميولوجية فهما مصطلحان مترا دفان « (32).
وفي ظل التعداد النظري للمصطلحات يعترف السيميائيون أنفسهم بقصور السيميائية وضحالتها فـ"جورج كوكي: J.Koky" يعترف بأنّ الحديث في السيميائية » يجري في اتجاهات مختلفة وبلا تميز « (33) ، وفي نفس الصدد نجد "غريماس:Greimas" يصرح أنّ السيميائية قد تكون مجرد موضة ،وأن يكف حديث الناس عليها في مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات (03) ومن ثمة يبدو المنهج السيميائي باتجاهاته المتباينة لا يعدوا أن يكون » مجرد اقتراحات أكثر كونه مجالا معرفيا متميزا هذا عن مشكلة تعدد المفهوم « (34).
ب- على مستوى التطبيق:
قد تنبع أزمة المنهج السيميائي النقدية على المستوى الإجرائي أساسا وذلك لعدم وجود آلية متفق عليها سلفا في نقد النص الأدبي،وحتى لو تقاربت هذه المفاهيم النظرية ووحّدت يبقى تطبيق هذه النظريات إجرائيا، وإخضاع النصوص لها أمرا يحيط به اللبس، وهذا ما بينته تصريحات السيميائيين المنّظريين أنفسهم في الغرب وفي الشرق ،حيث نجد "عبد المالك مرتاض" يطرح جملة من الأسئلة التى تبحث عن إجابة مقنعة حول المنهج المراد استعماله في تناول أي ظاهرة إبداعية فيتساءل قائلا:» من أين؟ إلى أين؟،وبأي منهج نقتحم النص؟« (35).
هذا عن المنهج، وفيما لوطبق المنهج السيميائي عل الظاهرة الأدبية،فالاختلاف سيكون كبيرا بين المحللين السيميائيين فيما بينهم ،ذاك أنّ استخدامهم للأدوات الإجرائية متباين عن الآخر ،ناهيك المستوى الثقافي والتجارب النقدية لدى كل واحد تزيد من المشكلة لتبقى مشكلة التطبيق قائمة خاصة في النقد العربي ، وهذا يعود في عمومه إلى التنظير المتعدد، وكذا تعدد المفاهيم المترجمة للمصطلحات الغربيية وتعريبها مباشرة دون إخضاعها للمقاييس النقدية ، وقابلية النص الأدبي العربي لها،أو لا مما يزيد في غموض المصطلحات النظرية التي تبقى عصية مبهمة على الناقد، والمتلقي معا أضف إلى ذلك الفهم الصحيح المؤسس للكيفية السليمة لتطبيق تنلك المصطلحات على النصوص دون تمييز إذن فكيف لهم بتطبيقها على نصوص عربية تعكس رؤى فكرية معينة ، وفلسفات معرفية ما.
وعليه يندمج الصعيديين معا ليشكل لنا أزمة نقدية عويصة يستحيل الخروج منها وهذا يجعلنا أمام مطبات منهجية ونقدية في تناولنا للمناهج الغربية التي تبقى غريبة عن ثقافتنا ،وعن أدبنا وإبداعاتنا جملة وتفصيلا، ومن هنا نجد أنّ جميع هذه » المناهج(...) قابل للفاعلية المتفردة، على أن يكون النص الإبداعي الأول هو المنوط به تحديد المنهج القرائي وفي ما تقع عليه شفراته، مع تجاوز تقنية الإحالات في كل منهج على حدة واعتبار الأصل القرائي الأول هو فك الدوال عن مدلولاتها « (36)، وهذا لا ينفي جهود بعض النقاد الحدثيين الذين حاولوا إيجاد حلول نقدية أنية إذ » طوّروا خطابا نقديا عربيا حديثا يعتمد على التركيب بين المتجانس من التيارات المختلفة، والنمذجة المؤلفة بين المناهج المتعددة، والإبحار المتميز في صلب الثقافة العربية« (37).
والمهم من كل هذا أن النظرية النقدية العربية أصبحت لها أوجه متعددة تجعلها تبحث عن التأسيس لها من خلال المحولات الجادة عند نقادنا السيميائيين خاصة المغاربة منهم "محمد مفتاح ،وعبد الفتاح كليطو ،وسعيد يقطين، وجميل حمداوي، والسعيد بن كراد ...،وغيرهم ممن مازالوا يحاولون التأصيل للنقد السيميائي العربي .

*/نتائـــج الدراسة:
لقد توصلت المداخلة إلى جملة من النقاط الهامة التي يجب أن يراعيها ناقد النص الأدبي على وجه الخصوص لأنّ جلّ المناهج النقدية على اختلاف مشاربها سعت » إلى التشبه بالعلم واستخدام أدواته والاستفادة من معادلاته وأحكامه وأرقامه في مقابل مجافاة التأثيرات الذوقية وإنكار الرؤية الذاتية«(38)، وعلى العموم فإنّ معظم هذه الملاحظات النقدية كالآتي:
1- ليس بمستطاع منهج نقدي واحد أن يستوعب الظاهرة الأدبية كلّها سواء أكان ذلك المنهج نقدي قائما على معطيات العلم أم غيرها من المعطيات التى تبحث في أغوار الظاهرة الأدبية .
2- يجب على الناقد أن يتحلى بسلامة الذوق ،وجمال الأداء النقدي وأصالته من خلال استنباط وتفحص العلاقات الخفية التى تحكم بنية النص الأدبي.
3- يجدر الإشارة إلى عملية التكوين والتمرس على النقد التي يجب أن يقف عليها صاحب العمل النقدي كثيرا وذلك من خلال الإكثار من العمليات النقدية وعرضها على القرّاء على وجه الخصوص.
4- وقوع نقدنا العربي تحت هيمنة المناهج النقدية الغربية، وكف حركته عن الإبداع لما هو أصيل ومتفرّد ومنطلق من واقع همومنا الثقافية الخاصة ،وطبيعة النّص الإبداعي ،وهذا كلّه من أجل إنهاء الغربة المنهجية التى يحياها نقدنا العربي.
5- كثيرا من المناهج النقدية المعاصرة ما وقعت في مطبات العجز النقدي للظاهرة الأدبية ،وهذا لطبيعة النص الخاصة أو لعدم قدرة المنهج على تفكيك شفرات النص ، ومناسبة المنهج النقدي له أثناء عملية التحليل.
6- رغم تباين المناهج النقدية المعاصرة مرفولوجيا ،وتقنيا إلاّ أنّها تتقاطع في العديد من القضايا التي أثارت فجوات نقدية يصعب إغفالها منا رغم اختلاف العصر النقدي ،وتباين أدوات كل ناقد ،وتطور الأفاق المعرفية واللّغوية للمبدع ،والناقد على الوجه الخاص لهذا كانت النصوص المعروضة على الساحة النقدية تلقى ما تلقى من أساليب التشريح ،والتعديل النقدي الذي إما يضيق من حلقة نقدها أو يوسعها أو حتى يخرج بصاحب العمل الإبداعي عن المألوف من الأعمال وهكذا تبقى عملية النقد الأصيل في أخذ ورد بين الناقد والمبدع في ثنائية ضدية.
7- عموما أنّ المناهج النقدية السياقية ،أو النصانية أو الأكاديمية أو التأثرية كلّها متكاملة فيما بينها في حين تبقى الظاهرة الأدبية صعبة المنال تتطلب مفهوما عاليا في الأصول النقدية وبناء معرفي مركب يسمح للناقد بمسح كلّ حواشي النص الموضوع تحت العين الرقمية للناقد الجاد» وفي كلّ تلك المناهج ثمّة حركة تتمركز حول جوهر العمل الإبداعي،تتجه نحو الاقتراب من بنية النص الأدبي، وقد تتطرف في الاقتراب منه« (39)، وهكذا تبقى العملية النقدية في أخذ ورد حتى تقف على مداخل ومغاليق الظاهرة الأدبية .

الهـــــــوامش والإحــالات:
(1) محمد الجزائري:آلة الكلام (النقدية..) دراسات في بنائيّة النص الشعري، دراسة من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 1999
http://www.awu-dam.org/book/99/study99/169-m-j/book99-sd002.htm
(2) علي زغينة : مناهج التحليل السيميائي ،محاضرات الملتقى الوطني الأول ،السيمياء والنص الأدبي، منشورات جامعة بسكرة ،الجزائر 7-8 نوفمبر 2000،ص133.
(3) محمّد عزَّام : النَّصُّ الغائب تجلّيات التّناصّ في الشعر العربي ، دراسة من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2001
http://www.awu-dam.org/book/01/study01/52-m-a/book01-sd001.htm
(4) صالح هويدي: النقد الأدبي الحديث قضاياه ومناهجه، منشورات جامعة السابع من أبريل، مصر، ط1،2004،ص 25.
(5) أحمد الشايب:أصول النقد الأدبي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، مصر، ط1،1999، ص 105.
(6) أحمد حسين جمعة:المسبار في النقد الأدبي(دراسة في نقد النقد للأدب القديم والتناص)، دراسة من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2003:
http://www.awu-dam.org/book/03/study03/5-h-j/ind-book03-sd001.htm
(7) محمود الربيعي: في النقد الأدبي "ومإليه"، دارغريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة،مصر، ط1،2001، ص 261.
(08) المرجع نفسه،ص 260.
(09) مصطفى خضر: النـَّقــد والخطاب محاولة قراءةٍ في مراجعةٍ نقديّة عربيّةٍ معاصرة ، دراسة من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2001
http://www.awu-dam.org/book/01/study01/190-m-h/book01-sd002.htm
(10) محمد الجزائري:آلة الكلام (النقدية..) دراسات في بنائيّة النص الشعري، دراسة من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق1999
http://www.awu-dam.org/book/99/study99/169-m-j/book99-sd002.htm
(11) مرشد الزبَيدي: اتجاهات نقد الشعر العربي في العراق ، دراسة من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 1999
http://www.awu-dam.org/book/99/study99/114-m-z/book99-sd002.htm
(12) حفناوي بعلي: التجربة العربية في مجال السيمياء ،محاضرات الملتقى الوطني الثاني السيمياء والنص الأدبي ، منشورات جامعة بسكرة ،الجزائر 15-16 أفريل 2002، ص 164.
(13) صالح مفقودة: السيميولوجيا والسرد الأدبي، محاضرات الملتقى الوطني الأول، السيمياء والنص الأدبي، منشورات جامعة بسكرة، 6 ، 7، نوفمبر، 2000، ص318.
(14) عصام خلف كامل: الاتجاه السيميولوجي ونقد الشعر، دار فرحة للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ط1، 2003، ص18.
(15) جميل حمداوي: السيميوطيقا والعنونة، مجلة عالم الفكر، الكويت، مج5، ع3، يناير/مارس، 1997، ص80.
(16) فريد أمعضشو: المنهج السيميائي، رابطة أدباء الشام. http://www.adabasham.net/show.php?sid=11078 23/04/2007
(17) عصام خلف كامل: الاتجاه السيميولوجي ونقد الشعر ، ص19.
(18) محمد السرغيني: محاضرات في السيميولوجيا، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1987، ص5، 6.
(19) عصام خلف كامل: الاتجاه السيميولوجي ونقد الشعر ، ص13، 14.
(20) المرجع السابق، ص15.
(21) يوسف الأطرش: المقاربة السيميائية في قراءة النص الأدبي، محاضرات الملتقى الوطني الأول السيمياء والنص الأدبي ، منشورات جامعة بسكرة ،الجزائر 7-8 نوفمبر2000، ص 144.
(22) المرجع نفسه، ص 145.
(23) المرجع نفسه،ص 146.
(24) علي زغينة : مناهج التحليل السيميائي ، ص، 135،136.
(25) المرجع نفسه، ص،137 ،138.
(26) حفناوي بعلي : التجربة العربية في مجال السيمياء ،محاضرات الملتقى الوطني الثاني السيمياء والنص الأدبي ، منشورات جامعة بسكرة ،الجزائر 15-16 أفريل 2002 ، ص 164 .
(27) المرجع نفسه، ص 165.
(28) المرجع نفسه، ص 160،174.
(29) بشير تاوريريت : أبجديات في فهم النقد السيميائي ، محاضرات الملتقى الوطني الثاني ،السيمياء والنص الأدبي، منشورات جامعة بسكرة ،الجزائر ،15-16 أفريل 2002، ص207.
(30) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
(31) أعمال ملتقى: " الأدب الجزائري في ميدان نقد السيميائية والنص الأدبي"،معهد اللغة والأدب العربي،جامعة عنابة، ص 75.
(32) بشير تاوريريت : أبجديات في فهم النقد السيميائي، ص207.
(33) أعمال ملتقى: " الأدب الجزائري في ميدان نقد السيميائية والنص الأدبي"، ص 28.
(34) بشير تاوريريت : أبجديات في فهم النقد السيميائي، ص207.
(35) المرجع نفسه،ص 209 .
(36) عزت محمد جاد: نظرية المصطلح النقدي،الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، ط1،2002، ص 312.
(37) صلاح فضل: مناهج النقد المعاصر، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، ط1،2002، ص153.
(38) المرجع نفسه، ص 152.
(39) المرجع نفسه،الصفحة نفسها.
 

الأحد، 20 أغسطس 2017

إشكالية تطبيق المصطلح اللساني في

إشكالية تطبيق المصطلح اللساني في الدراسات اللغوية العربية


إن الحديث عن المصطلح هو الحديث عن فحواه ومعناه داخل أي لسان؛ لذلك فإنه لزاماً أن نجد الكثير من العلماء على اختلاف مشاربهم قد أوْلَوْا عناية كبرى لهذا المفهوم؛ وذلك إما بتعريفه أو بطريقة عرضه وتوظيفه داخل حقل من الحقول.
والمصطلح يشكل حيزاً كبيراً لا غنى عنه لأي كتاب، مهما كان نوعه، فهو الوسيلة الأساسية التي تـُبنى عليها ثقافة أمة من الأمم من خلال الاعتناء بلسانها، ومن ثم بمصطلحاتها.
إن ما تشهده الأمم من تطور هائل اليوم في التكنولوجيا والتحكم فيها لهو دليل واضح على سرعة ظهور مسميات جديدة لأشياء جديدة؛ إذ بات يشكل المصطلح هاجسَ كل الشعوب؛ بل الأكثر من ذلك أصبح علماً قائماً برأسه يدعى: علم المصطلح (Terminologie).
مفهوم علم المصطلح
يعرف علم المصطلح بأنه "العلم الذي يبحث في العلاقة بين المفاهيم العلمية، والألفاظ اللغوية التي تعبِّر عنها، أو لفظ موضوعي يؤدي معنى معيناً بوضوح ودقة"(1).
ولقد كان لاهتمام علماء العرب قديمهم وحديثهم عناية كبرى بهذا العلم، وحتى إن لم يكن معروفاً عندهم بهذه التسمية المخصصة؛ إلا أنه تحدَّث أمثال الجاحظ وسيبويه والشريف الجرجاني وغيرهم عنه داخل حقول اللغة المتشعبة؛ فالجاحظ عندما يتكلم على جانب الخطابة عند العرب وفصاحتهم يقول بأنهم "تخيَّروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا لذلك سلفاً لكل خلف، وقدوة لكل تابع"(2).
إن قول الجاحظ هذا يؤكد أن العرب كانوا ينحتون ويشتقون ويبدلون ويغيِّرون، وكيف لا ونحن نسمع مراراً وتكراراً بتلك الألفاظ التي كانت تدل في وقت مضى على معان ٍخاصة، ومع مجيء الإسلام تغيَّر معناها إلى دلالات أخرى كالصلاة والنافلة والصوم، أو لا يُعَدُّ هذا توظيف للمصطلح في بيئته تلك؟
ولنا في علماء النحو خير دليل على أنهم كانوا يتعاملون بالمصطلح للتعبير عن قضايا ومفاهيم نحوية، فمثلا البصرة استعملت مفهوم المصروف والمنصرف لتدل بهما على "وَصْفُ الاسم المنوَّن غير الممنوع من الصرف نحو محمد وعلي وشجرة وكتاب"(3)؛ واستعملت الكوفة بدورها مصطلح النعت لتدل به على "التابع الذي يكمِّل متبوعه ببيان صفة من صفاته"(4). كما كان لعلماء البلاغة مصطلحات خاصة بقيت دلالاتها سائرة لحد اليوم؛ مثل: الكناية، الاستعارة، الإطناب، إلى آخره.
ولا نبالغ في الحديث إذا قلنا إن المصطلح شهد قفزة نوعية عما كان عليه في القديم؛ حيث مع مطلع العصر الحديث أصبح علماً له أسسه وركائزه، فلم يعد ذلك التأليف المتداخل في سائر العلوم؛ بل صنـِّفت كتب مختصة كلها تدل على حقل معرفي من العلوم، ويظهر ذلك جلياً عند اتصال العرب بغيرهم من الأمم الأخرى (عصر التفتح والنهضة).
ويعد رفاعة الطهطاوي من الأوائل الذين اتصلوا بالحضارة الغربية، وقدَّم مجموعة من المصطلحات، وتبعه في ذلك علماء آخرون أمثال: أحمد تيمور وأمين معلوف الذي ألف معجماً للحيوان، ووضع محمود السعران قائمة من المصطلحات العربية وما يقابلها بالانجليزية، إلى آخره.
ولقد أظهرت الأبحاث اللغوية التي قام بها المحدثون بأن اللغة مهما كان جوهرها وخصوصيتها ليست بمنأى عن التطور والتبدل في مفرداتها، والعربية بدورها قد أصابها هذا التغير والتحول في مفرداتها.
ومادام المصطلح هو في أول الأمر عبارة عن لفظ له دال (signifier) ومدلول (signifiant) فإنه يتأثر بدوره بهذا التغيير الذي يصيب بنية الكلمة.
غير أن هذا الأمر لا يمكن أن نطلق حابله على نابله؛ فليس كل شيء في اللغة يتغير؛ بل إن هناك ما يثبت على حاله؛ لأن "الذي يتغير في اللغة باستمرار هو بنيتها التركيبية، لأن البنية التركيبية من صنع المتكلم، وهو مهندسها"(5).
المصطلح اللساني
لقد شكلت اللسانيات في العصر الحديث ثورة كبيرة خاصة مع مجيء فيردينان دي سوسير، وشهد حقل الألسنية كـمًّا هائلا من المصطلحات والمفاهيم الجديدة. والمصطلح في مفهومه العام، كما يعرِّفه أحمد بوحسون، هو: "كلمة أو مجموعة من الكلمات تتجاور دلالتها اللفظية والمعجمية إلى تأطير تصورات فكرية، وتسميتها في إطار معين، وتقوى على تشخيص وضبط المفاهيم التي تنتجها ممارسة ما في لحظات معينة"(6).
إن المصطلح اللساني كغيره من المصطلحات الأخرى التي وفدت إلينا يجد نوعاً من الحرج في توظيفه واستعمالاته؛ كونه يخطو اتجاهاً خارج اللغة العربية بعيداً عن الاشتقاق والتوليد من جهة، ومعتمداً على التعريب والترجمة من جهة أخرى.
ويمكن أن ينظر إلى واقع اللسانيات العربية عامة ومصطلحاتها خاصة من خلال مرحلتين من الزمان، امتدت الأولى من صدور كتاب علم اللغة للدكتور "علي عبد الواحد وافي" إلى عقد السبعينيات. على حين امتدت الثانية مع السنوات الأولى من ذلك العقد إلى نهاية القرن العشرين تقريباً.
ويلاحظ أنَّ ما صار يعرف بأزمة المصطلح اللساني ومشكلات الترجمة كان نتاج المرحلة الثانية التي شهدت توسعاً مطرداً اتفق مع توسُّع الدرس اللساني في أوربا وأمريكا مع منتصف القرن العشرين(7)، على عكس الأولى فلم تشهد ذلك؛ إذ "اقتبس الدكتور وافي الكثير من المصطلحات اللسانية في كتابه علم اللغة الصادر عام 1940 ووضع ترجمات صحيحة، نحو: علم اللهجات وعلم المفردات وعلم الدلالة وعلم البنية وعلم الأساليب وعلم أصول الكلمات وعلم الاجتماع اللغوية وعلم النفس اللغوي وعلم اللغة وغير ذلك. وكذلك فعل المؤلفون التالون دون أن تظهر مشكلة المصطلح اللساني لديهم؛ كالدكتور إبراهيم أنيس في كتابه الأصوات اللغوية عام 1947، والدكتور تمام حسان في كتابه مناهج البحث في اللغة عام 1955، والدكتور محمود السعران في كتابه علم اللغة: مقدمة إلى القارئ العربي عام 1962، والدكتور عبد الرحمن أيوب في كتابه أصوات اللغة عام 1963، والدكتور كمال بشر في كتابه علم اللغة العام عام 1970، والدكتور محمود فهمي حجازي في كتبه: علم اللغة بين التراث والمناهج الحديثة عام 1970، وعلم اللغة العربية عام 1973 ومدخل إلى علم اللغة عام 1978"(8).
عوائــــق توظيف المصطلح اللساني وترجمته
مما لاشك فيه أن قضية المصطلح تشكل قطباً قائماً بذاته؛ إذ لا غنى لأي علم من العلوم الاستغناء عنه؛ فهو بمثابة المحرك أو الدليل الذي يتعارف به الناس، وهذا شيء بديهي مادام أنه يتشكل من مفهوم (concept) وصورة سمعية (image acoustique) كما نعته دي سوسير. غير أن المشكل لا يكمن هنا؛ لأنه باستطاعة أية أمة من الأمم استقبال عدد لا بأس به من هذه المصطلحات؛ إنما المشكل يكمن في كيفية التعامل معه ونقله من لغة إلى لغة أخرى.
واللغة العربية واحدة من هذه اللغات؛ حيث تستقبل العديد من المصطلحات نتيجة التطور الهائل الذي تشهده التكنولوجيات، وما تذره الأبحاث العلمية من مخترعات جديدة. ووراء هذا الأمر سبب جوهري هو الذي ترك الفجوة واسعة إلى حد ما بين المصطلح وتوظيفه ألا وهو مشكل اختلاف الترجمات.
وإن أهم ما يتسم به وضع المصطلح هو طابعه العفوي، حيث قادت هذه العفوية إلى كثير من النتائج السلبية، وفي مقدمتها الاضطراب في وضع المصطلح، والفوضى في تطبيقه، وعدم تناسق المقابلات المقترحة للمفردات الأجنبية(9).
ومن ذلك: تكرار الاختلافات القديمة في المصطلحات الحديثة؛ كالخلط بين الحلق والحنجرة للتعبير عن (Larynx)؛ والاختلافات الناتجة عن نوعي التعريب والترجمة لأسباب مرحلية، مثل: الصوت اللغوي، الفونيم، الصوتيم مقابل (phonème)؛ والاختلافات وتحويل المصطلح من مفهوم حديث إلى مفهوم حديث آخر؛ مثل: الألسنية لــ(dialectologie)، وعلم الألسنية لـ(linguistique). إضافة إلى أنه ينعت بـ: علم اللغة العام، علم اللغويات الحديث، علم اللسان، إلى آخره.
كما أن هناك مشاكل أخرى وراءه باعتبار اللسانيات "تعاني ما تعانيه العلوم المقترضة من مشكلات تتصل بوضع ثمرات الدرس الأجنبي في متناول الباحثين العرب من حيث اللغة والأسلوب والطرق المنهجية"(10)، ومن هذه المشاكل: عدم الاتفاق على منهجية محددة عند وضع المصطلح؛ وحداثة المصطلحات اللسانية قياساً على المصطلح العلمي الذي صار له قِـدم نسبي وشيوع مقبول؛ وكثرة المصطلحات المتداولة في الكتب والدوريات والمؤتمرات اللسانية وتداخلها.
وتعتبر اللغة العربية لغة توليد واشتقاق وما شابهها، وعلى الرغم من ذلك فإن العرب لازالوا يحتمون بالمصطلحات الدخيلة، ولا يستطيعون التحكم في كيفية التعامل معها نظراً لعدم توحيد المصطلح في أكثر الأحايين، ويحدث هذا على الرغم من أننا نتكلم اللغة نفسها من المشرق إلى المغرب، إلا أن ذلك لم يمنع من ظهور العديد من المحاولات لتوحيده في هذا الشأن؛ إذ تعددت المجامع اللغوية عبر الوطن العربي، وكان لكل منها طريقة معينة في كيفية وضع المصطلح الوافد من الحضارات الغربية والتعامل معه.
وعلى سبيل المثال عندنا في الجزائر المجمعي عبد الرحمان الحاج صالح الذي بيَّن بأن طريقة وضع المصطلح لا ينبغي أن تخرج عن النقاط الآتية:
= التعريب اللفظي للمصطلح الأجنبي الترجمة الحرفية تخصيص أو ارتجال لفظ له بكيفية عفوية تخصيص لفظ عربي بعد البحث عنه في القواميس القديمة(11).
ولو أخذنا على سبيل المثال لا الحصر مجمع سوريا في وضعه للمصطلح نجده يتبع الطريقة التالية(12): تحوير المعنى اللغوي القديم للكلمة العربية وتضمينها المعنى العلمي الجديد؛ واشتقاق كلمات جديدة من أصول عربية أو معربة للدلالة على المعنى الجديد؛ وترجمة كلمات أعجمية بمعانيها؛ وتعريب كلمات أعجمية وعدُّها صحيحة.
وعلى الرغم من المجهودات المبذولة في هذا الميدان إلا أن هذه المجامع وغيرها من المؤسسات العلمية اللغوية لم تتوصل إلى نقطة الالتقاء المنشودة والتي تحفظ لها شرف هذه اللغة، فهناك العديد من المصطلحات التي يقرُّها مجمع ما ولا يكتب لها الخروج إلى النور؛ وحتى إن خرجت فإنها تتصادف بعوائق ناجمة عن سوء توظيفها في الميدان المناسب، وكل هذا راجع في أغلب الأحيان إلى العفوية التي تحاصره من جهات عدة.
إذن لابد من التخلص من هذه العفوية لأنها هي سبب البلوى الذي تعاني منه الأمة العربية في طريقة وضع هذه المصطلحات، وإشكالية تطبيقها في الدراسات اللغوية مما أدى إلى العبثية في التعامل معه.
= = = = =
الهوامش
(1) المؤسسات العلمية وقضايا مواكبة العصر في اللغة العربية، صالح بلعيد، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1995، ص 05.
(2) البيان والتبيين، عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة (مصر)، ط 3، ج 1، (د ت)، ص 102.
(3) معجم المصطلحات النحوية والصرفية، محمد سمير نجيب، مؤسسة الرسالة، بيروت (لبنان)، (د ط)، (د ت)، ص 226.
(4) المرجع نفسه، ص 226.
(5) اللغة والتواصل، عبد الجليل مرتاض، دار هومة، الجزائر، 2000، ص 108.
(6) مجلة المصطلح، مقال بعنوان: بين المفهوم والمصطلح " المصطلح اللساني نموذجاً "، بوعناني سعاد آمنة، العدد 01، مارس، تلمسان (الجزائر)، 2002، ص 224.
(7) مجلة مجمع اللغة العربية، مقال بعنوان: اللسانيات والمصطلح، أحمد قدور، الجزء الرابع، المجلد 81، دمشق (سوريا)، ص 08.
(8) المرجع نفسه، 09-10.
(9) اللسانيات واللغة العربية، عبد القادر الفاسي، منشورات عويدات، بيروت – باريس، 1986، ص 394.
(10) مبادئ اللسانيات، أحمد محمد قدور، دار الفكر، دمشق (سوريا)، ط 2، 1999، ص 28.
(11) المؤسسات العلمية وقضايا مواكبة العصر في اللغة العربية، صالح بلعيد، ص 11.
(12) في قضايا فقه اللغة العربية، صالح بلعيد، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1995، ص 259.

إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد

إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد – تأليف يوسف وغليس – عرض أحمد إبراهيم الهواري

نشرت في ديسمبر 2, 2014 عن طريق - قسم أدب دكتور أحمد إبراهيم الهواري
الناظر في هذا السفر الضخم، (543 صفحة من القطع الكبير)، يشعر بعبء المسؤولية؛ حين يتصدى للقيام بعرض ما يثير المتن من قضايا مصطلحية، يمور بها المشهد النقدي الجديد، ويرنو بباصرته لما يعج به من فوضى مصطلحية.
بيد أن هذه قد تدفع بالصفوة الواعية من المشتغلين بعلم المصطلحية والنقد؛ أن تأخذ أنفسها بالشدة وبالدقة والأمانة والاجتهاد في «سك» المصطلح: ترجمة وتأليفاً وصولاً إلى ضفاف «التوحيد المصطلحي». ومن ثم، فالبداية الصحيحة تهيئ للاتجاه الصحيح. حيث يتحول «نثار» الفوضى المصطلحية إلى «ثورة مصطلحية خلّاقة». فمن هذا الاختلاف يزكو العلم ويتأكد حلم توحيد المصطلحية وتقييسها.
الإطار المنهجي للبحث :
انقسم البحث إلى ثلاثة أبواب تتشكل في مجموعها من ثمانية فصول.
وقد وقف المؤلف الباب الأول على دراسة نظريةٍ لإشكالية المصطلح. وانتسقت فصوله على الوجه الآتي:
الفصل الأول :
في هذا الفصل يعالج الباحث «إشكالية المصطلح»: لغةً واصطلاحاً. ويتعقّب الدلالة الصرفية للكلمة – «المصطلح» وتطور دلالاتها المعجمية. ويستند في تعريفها إلى «تعريفات الجرجاني» إذ يقول: «الاصطلاح عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما يُنقل عن موضعه الأول، وبإخراج اللفظ معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد». وقيل: الاصطلاح: «لفظ معين لقوم معينين». وهكذا تتحدد الدلالتان المعجمية والاصطلاحية لتغدو اتفاقاً لغوياً بين طائفة مخصوصة على أمر مخصوص في حقل أو ميدان مخصوص.
وفي تأثيله لمدار الكلمة في اللغات الأوروبية يشير إلى أنها انحدرت اشتقاقياً من الكلمة اللاتينية (terminus) بمعنى الحد أو المدى أو النهاية. وتتراءى لنا الكلمة في الفرنسية (terme) وفي الإنكليزية (term) وفي الإيطالية (termine) وفي الإسبانية (termino) وفي البرتغالية (termo). ويأتي على مدار المعنى المصطلحي في حقول معرفية؛ كالرياضة، والاقتصاد، والقانون.
والمؤلف يستند إلى «علي القاسمي» في كتابه: «مقدمة في علم المصطلح» شارحاً المصطلح “Terme” بوصفه «وحدة لغوية» دالة مؤلفة من كلمة (مصطلح بسيط)، أو من كلمات متعددة (مصطلح مُركَّب) وتسمي مفهوماً محدداً وحيد الوجهة داخل ميدان أو حقل ما.
ويتبدى صدر العلم Background([1]) في تأثيل المؤلف للمشهد المعرفي الذي يصور موقع المصطلح وتاريخه، حيث يلوح في فضاء المشهد مرجعيات تراثية متمثلة في أطياف من جهود القدماء مثل «الخوارزمي» في «مفاتيح العلوم»، والسكاكي في «مفتاح العلوم»، والجرجاني في «التعريفات» والتهانوي في «كشاف اصطلاحات الفنون».
وما سبق يفضي إلى دلالة «المصطلح النقد الأدبي» بما هو: «رمز لغوي مفرد أو مُرَكَّب، أحادي الدلالة، منزاح نسبياً عن دلالته المعجمية الأولى، يعبّر عن مفهوم نقدي محدد واضح، متفق عليه بين أهل الحقل المعرفي، أو يرجى منه ذلك». ومن آيات الروح العلمية أن ينهض علماء كل حقل معرفي بـ «سك» المصطلح العلمي المتداول بين المشتغلين به وضبطه.
إن «المصطلح» علامة لغوية خاصة تقوم على ركنين أساسيين: أحدهما الشكل (Forme) أو التسمية (dénomination)، والآخر المعنى (Sens) أو المفهوم (Notion)أي الوصف اللفظي للتصور الذهني. ويتناول علم المصطلح (Terminologie):«بنية المصطلحات ومدلولاتها وحفرياتها التأثيلية، واشتقاقاتها المعجمية، وتطوراتها الدلالية إلى غاية استقرارها الاصطلاحي، وانتقالاتها بين الحقول المعرفية المختلفة، وهجرتها بين مختلف اللغات».
أما «فقه المصطلح» (Terminogtaphie)فينصب مجاله البحثي حول جانب تقني من النظرية الاصطلاحية العامة، يستهدف الصناعة المصطلحية التي تتمثل المفاهيم العلمية السابقة، بالإضافة إلى طرائق الوضع الاصطلاحي وآلياته النظرية، بغية جمع المصطلحات التي ينتظمها حقل مصطلحي محدد، وتصنيفها وترتيبها وفق نظام معين، ثم نشرها في شكل قاموس مصطلحي متخصص.
وظائف المصطلح
ويحدد المؤلف وظائف المصطلح بجملة من الوظائف، يمكن تلخيصها في خمس:
أولاً     :الوظيفة اللسانية :فالفعل الاصطلاحي يكشف عن طاقة اللغة العربية وعبقريتها، ومدى اتساع جذورها المعجمية، وتعدد طرائقها الاصطلاحية. ومن ثم قدرتها على أن تكون لغة العلم.
ثانياً     :الوظيفة المعرفية :بما أن المصطلح هو لغة العلم والمعرفة، فلا وجود لعلم دون مصطلحية (مجموعة مصطلحات). وقد التفت علماؤنا القدماء إلى أن التأسيس المعرفي للعلوم يتطلب تحديد لغة علمية متفق عليها بين المشتغلين بالعلوم. وقد خلّف هؤلاء مكانـز مصطلحية تمثل مفاتيح العلوم والفنون. وكل علم له مفتاحه، أي مصطلحه. والأمثلة على ذلك: «كشاف اصطلاحات الفنون» للتهانوي، و«مفتاح العلوم» للسكاكي، و«التعريفات» للجرجاني.
ثالثاً     :الوظيفة المصطلحية:وكما أن المصطلح مفتاح العلم، فهو أبجدية للتواصل بين أهل الاختصاص في أي حقل معرفي.
رابعاً    :الوظيفة الاقتصادية:يقوم الفعل الاصطلاحي بوظيفة اقتصادية بالغة الأهمية؛ يمكننا من تخزين كم معرفي هائل، في وحدات مصطلحية محددة، والتعبير بالحدود اللغوية القليلة عن المفاهيم المعرفية الكثيرة.
خامساً  :الوظيفة الحضارية: تعد اللغة الاصطلاحية لغة عالمية. فهي ملتقى الثقافات الإنسانية؛ وهي الجسر الحضاري الذي يربط لغات العالم بعضها ببعض. وتتجلى هذه الوظيفة خصوصاً في آلية «الاقتراض» (emprunt)التي لا غنى لأية لغة عنها، حيث تتحول بعض الكلمات – بفعل الاقتراض – إلى كلمات دولية (internationaux) ويتحول المصطلح إلى وسيلة لغوية وثقافية للتقارب الحضاري بين الأمم.
هجرة المصطلح :
يعالج المؤلف «هجرة المصطلح ومكانه في سُلَّم التجريد الاصطلاحي، حيث تقتضي (هجرة المصطلح) أن يتتبع المصطلح حين يهاجر من بيئة لغوية معينة (لها شروطها البنوية ومواصفاتها الدلالية) إلى مُهَاجر لغوي مغاير. ويعتمد المؤلف على «عبد السلام المسدي» في تحديده لقانون التجريد الاصطلاحي للمصطلح المهاجر. وخلاصة هذا القانون أن المصطلح الدخيل – في هجرته من لغة إلى أخرى – يمر بثلاث مراحل تمثل ناموساً مطرداً، قبل أن يستقر في مرحلته الأخيرة على صورته المجردة. وهذه المراحل هي:
1 –   مرحلة التقبل: وفيها يغزو المصطلح اللغة، ويحل ضيفاً جديداً على رصيدها المعجمي.
2 –  مرحلة التفجير: وفيها يُفصَل دال المصطلح عن مدلوله، ويفكّك المصطلح إلى أجزائه المكونة له، فيُستوعب نسبياً، ويعوَّض بصياغة تعبيرية مطوّلة نوعاً ما.
3 –   مرحلة التجريد: وفيها يتم تعويض العبارة المطولة بلفظ يهيمن على «المفهوم»، فيستقر المصطلح الدخيل على مصطلح تأليفي أصيل. والمؤلف ينقل عن «المسدي» تمثيله لهذه المراحل بمصطلح (Phonétique) حيث تحوّل من (الفوناتيك)، في مرحلة التقبل، إلى «علم الأصوات الحديث» في مرحلة التفجير، إلى «الصوتيات» في مرحلة التجريد.
وهو يتلبث أمام الفكرة القائلة بأن قيمة المصطلح تتحدد وظيفتها داخل الحقل المعرفي؛ معتمداً في ذلك على مؤسس علم المصطلح (wuster) وليس (أ. فورستر) كما ذكر المؤلف، حين عد «كل ميدان تخصصي حقلاً مغلقاً، لا يكتسب المصطلح قيمته إلا داخل هذا الحقل» ويشير إلى التفات «التهانوي» (ت 1158هـ) محذراً إلى ما سمّاه «اشتباه الاصطلاح» لأن «لكل علم اصطلاحاً خاصاً إذا لم يُعلم بذلك لا يتيسر للشارع فيه الاهتداء إليه سبيلاً، وإلى انفهامه دليلاً».
جدلية المنهج والمصطلح.
لا يمكن الحديث عن القضية الاصطلاحية بمعزل عن القضية الأم «إشكالية المنهج». وثمة علاقة تفاعلية بين المصطلح النقدي والمنهج النقدي. فالعلاقة بين المنهج في القراءة والمصطلح وثيقة اللحمة والسدى. ومن ثم يتيسر لنا أن نفسر اختلاف دلالة المصطلح من قراءة إلى قراءة، وأن نفهم شيوع مصطلح ما دون غيره من المصطلحات، في قراءة دون قراءة.
هذا التلازم بين المصطلح والمنهج يفضي إلى نتيجة هي أن المصطلح في أبسط وظائفه النقدية، هو مفتاح منهجي – لأن المصطلحات المستخدمة في القراءة النقدية، «تحدس بالمنهج الذي ينطوي تحته المصطلح»، وأن استخدام مصطلحات بعينها يشكل علامة دالة على المنهج المتبع، وهذه مسألة مهمة، إذ يمكن اعتبارها مرشداً أساسياً لتبين منهج الناقد، وإذا ما تعددت المصطلحات من مصادر منهجية مختلفة، يمكن لإحصاء بسيط إظهار المنهج الغالب أو المنهج المحتضن لمناهج أخرى تبدو هامشية.
وبالمثل، فالمنهج عامة يحدد المصطلح، ومن خلال تحديد المنهج يتولد المصطلح الذي يسهم في بلورته وإنجاز فعله.
ولمواجهة خط «التماس» بين إشكالية المنهج وإشكالية المصطلح فالكاتب الناقد يوسف وغليس طرح فروضاً كاشفة عن «الهاجس» الذي يراوده وسط هذا الطوفان المصطلحي؛ والذي جاءت تلك الفروض بمثابة خطوات إجرائية؛ تمثلت في أن:
-         المصطلح وثيق الصلة بمنهجه، وتطبيق منهج بمصطلحات وافدة من إطار منهجي مغاير، أمارة من أمارات عدم التحكم في المنهج.
-         المنهج – أي منهج – ذو جهاز مصطلحي محدَّد ومتكامل دلالياً، لكنه جهاز مرن شفاف، يسمح بالانفتاح النسبي على شتى المجالات المعرفية.
-         فقر الدراسة النقدية اصطلاحياً، أو ندرة المصطلح فيها (مع مراعاة «القوة الاصطلاحية» للمصطلح) دليل على طغيان اللغة الشارحة، وربما غياب المنهج.
-         هيمنة المصطلح النمطي أو «اللامنتمي» (أي الشارد عن المنهج، والقابل للانتماء في أي إطار منهجي) دليل موصل إلى التشكيك في كفاءة المنهج المنتهج.
-         ائتلاف الحقول المصطلحية المختلفة، وتعايشها، داخل الدراسة الواحدة، دليل على وجود نزعة منهجية تهجينية، تلفيقية.
-         تداخل الحقول المصطلحية في مرجعياتها الأجنبية الأولى يكافئ تداخلاً في النظريات التي تنتظم تلك الحقول.
والمؤلف حريص على تأكيد أن المصطلح وثيق الصلة بالمنهج، ويفقد شرعيته خارج توظيفه.
كثيرة هي الإشكاليات التي تمثل تحدياً للاستراتيجية البحثية، وقد أشار المؤلف، وهو صدد تحديد «المشكل البحثي» الذي يروم معالجته إلى الصعوبات التي تحف بـ «المصطلح النقدي الجديد». وفيه ما فيه من الالتباس. ومن هنا تتطلب قضية المصطلح النقدي، بحكم طبيعة البحث الاصطلاحي العابرة للاختصاصات، الاستعانة بجملة من المناهج والاختصاصات المختلفة.
-         تتنازع القضية الاصطلاحية النقدية الجديدة جملة من الرؤى المختلفة التي تقبل الأخذ والرد، والمناقضة أحياناً؛ حيث يحتد الجدال بين منادِ بإعمال المصطلح التراثي في مواجهة المفهوم الغربي ومنادٍ بإهماله؛ وبين متحمّس للنحت والتعريب ومعارض لهما، مكتف بالآليات الأصيلة التي تحافظ على نقاء اللغة.. بمعنى أن الإشكالية الاصطلاحية تتفرع إلى جملة من الإشكاليات الثانوية التي لا سبيل ميسراً إلى «فصل الخطاب» فيها.
والمؤلف يؤمن بأن لا جدوى من حل مشكلة المصطلح حلّاً منفرداً. ومن ثم فقد حاول الاكتفاء بالوقوف عند عيِّنات مصطلحية من كل حقل نقدي، دون مسح الحقل مسحاً استقصائياً، وإنما اجتهد أن ينصب جهده على الحل الكلي العام من خلال ربط المسألة المصطلحية بمسألة المنهج النقدي. وتلك – فيما يرى هي – البداية الصحيحة الكفيلة بالوصول بالنظر في المشكل المصطلحي إلى أن يكون علماً منضبطاً. ومن هنا، فهو يروم صياغة لنظرية المصطلح، في الخطاب النقدي العربي الجديد، بالوصف العلمي الذي يصدر عن وعي بأن النظرية عبارة عن إطار فكري، يفسر مجموعة من الفروض العلمية، ويضعها في نسق علمي مترابط من حيث الحد والمفهوم.
وفي بسطه لهموم الباحثين في حقل المصطلحية، يؤكد أن هذه الهموم البحثية، شكَّلت باعثاً للاجتهاد في درسها، ووضعها على بساط البحث. وقد تبدت هذه الإشكالية في أن المصطلح الأجنبي قد يُنقل بمصطلح عربي مبهم الحد والمفهوم، أو أن المفهوم الغربي الواحد قد يُنقل بعشرات المصطلحات العربية المترادفة أمامه، أو أن المصطلح العربي الواحد قد يَرِدُ مقابلاً لمفهومين غربيين – أو أكثر – في آن، أو أن الناقد العربي الواحد قد يصطنع مصطلحاً فيه كثير من التصرف – زيادة أو نقصاً – في مقابله الأجنبي، وما إلى ذلك من مظاهر الإشكالية.
الفصل الثاني : معايير المصطلح وآليات الاصطلاح
وفيه عالج المؤلف: معايير الحد الاصطلاحي، آليات صياغة المصطلح، الاشتقاق، المجاز، الإحياء، التعريب، النحت.
والمؤلف – عوداً على بدء – يعالج هذه القضايا اللغوية في الفصل الأول من الباب الثالث وإن جاءت من زاوية بنية المصطلح.
الباب الثاني : المصطلح النقدي الجديد وإشكالية الدلالة
وقد أمحض هذا الباب لدراسة الحقول المصطلحية. وينشعب إلى أربعة فصول.
الفصل الأول: الحقل البنيوي :
وفيه يتعقّب المؤلف الروافد المعرفية التي تغتذي منها البنيوية؛ فهي تستمد روافدها من ألسنية دوسسير، وأنثروﭘـولوجية ليفي ستروس، ونفسانية بياجي، وجاك لاكان، وحفريات ميشال فوكو التاريخية المعرفية، وأدبيات رولان بارت. ويمضي المؤلف يتعقب روافد الفكر البنيوي لدى الشكلانية الروسية، ويُعزى لها أنها لم تكن تمهيداً لنشأة البنيوية فحسب، بل كانت مسقط رأس علوم وثيقة الصلة بالبنيوية والسيميائية، كالشعرية والسردية (وجميعها احتلت مساحة عريضة في الفصل الثالث) من هذا البحث.
والمؤلف يشير إلى أن الشكلانية تقوم على ائتلاف تجمعين روسيين شهيرين، هما:
أ –    حلقة موسكو (195 – 1920). جماعة الأوبوياز Opôjaz (1916) وتعني هذه التسمية المختصرة (جمعية دراسة اللغة الشعرية) التي تأسست سنة 1916 بمدينة سان بطرسبرج.
وتنهد الشكلانية الروسية على أطروحتين:
-         التشديد على الأثر الأدبي وأجزائه المكونة.
-         الإلحاح على استقلال علم الأدب.
ب – حلقة براغ Cercle du Brague (1926 – 1948) ومن أعلامها موكاروفسكي، ورينيه ويليك، وجاكبسون وتربتسكوى. وتابعت هذه الحلقة إنجازات الشكلانية الروسية، وقدمت أطروحاتها حول اللغة عام 1929. والشكلانية، في ارتباطها بحلقة براغ رفعت مبدأ «محايثة (immanence) النص الأدبي ضمن مقاربة بنيوية».
جـ –   جماعة “Tel quel” (1960) ويعرض المؤلف لاهتمام هذه الجماعة بحقول فكرية شتى؛ كالتحليل النفسي، والماركسية، واللسانيات. وقد دعت إلى نظريات جديدة في الكتابة كانت معبراً للتحول من «البنيوية» إلى ما بعد «البنيوية» (Post structuralisme) ويُلِم بحلقات لغوية أخرى كان لها دور في تأسيس الفكر البنيوي، كحلقة كوبنهاغن (1931) وحلقة نيويورك (1934).
وتستمد البنيوية وجودها الفكري والمنهجي من مفهوم (البنية) أصلاً. وفي ضوء هذا المفهوم يكون الجزء لا قيمة له إلا في سياق الكل الذي ينتظمه. ويترتب على هذا أن المنهج البنيوي في تعامله مع النصوص الأدبية يغيّب الخصوصية الفنية للنص الواحد في فرادته وتميزه، ويذوّبها في غمرة انشغاله بالكليات. وينتهي المؤلف إلى أن البنيوية منهج نقدي داخلي يقارب النصوص مقاربة آنية محايثة، وتتمثل النص بنية لغوية متعالقة، ووجوداً كلياً قائماً بذاته، مستقلّاً عن غيره.
والبنيوية امتداد لجمة من مفاهيم متضافرة وحقول معرفية مختلفة، لعلَّ أهمها مفهوم «المجموعة» (Group) في الرياضيات، على نحو ما يذهب جون بياجي، ومفهوم (الشكل: Gestalt) في علم النفس الجشطاليتي؛ بينما تبقى اللسانيات الحديثة (ومعها النقد البنيوي) في اصطناعها لهذا المفهوم مدينة لسوسير الذي كان يعبر عن ذلك بمصطلح النسق أو النظام (Systeme) . فما سمّاه دوسوسير (نسقاً) سمّاه خلفه (بنية).
ويذهب المؤلف إلى أن فكرة (النسق) عند دوسوسير تلتقي وفكرة (النظم) عند عبدالقاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز([2]) (والمؤلف هنا يؤكد أنه من شيعة التراث بإحيائه مفاهيم تراثية). وهو يتوقف أمام الجهاز الاصطلاحي لهذه المدونات النقدية، على نحو ما تتراءى في:
1 – البنية والبنيوية: وقد حصر جون بياجي خصائص البنية في ثلاثة عناصر:
-         الكلية (la totatalité)، التي تحيل على التماسك الداخلي للعناصر التي ينتظمها النسق.
-         التحولات (Les Transformations)، التي تفيد أن البنية نظام من التحولات لا يعرف الثبات، فهي دائمة التحول والتغير وليست شكلاً جامداً.
-         الضبط الذاتي (L’autoréglage)، الذي يتكفل بوقاية البنية وحفظها حفظاً ذاتياً، ينطلق من داخل البنية نفسها، لا من خارج حدودها.
وفقاً لهذا التصور البنيوي، كان دوسوسير يمثل نظام اللغة بلعبة الشطرنج، فكما أنه لا قيمة لقطعة الشطرنج في ذاتها، وإنما قيمتها مرتبطة بموقعها على الرقعة، كذلك تتحدد قيمة الكلمة – في النظام اللغوي – بمقابلتها مع الكلمات الأخرى.
ولا يكاد يختلف هذا الكلام – فيما يذهب المؤلف – في شيء عن الفكرة التي أقرها عبدالقاهر الجرجاني في نظمه قبل دوسوسير بقرون. فلا فرق بين (نظم) الجرجاني وبين نسق: (Système)سوسير من هذه الناحية، فكلاهما يؤدي مفهوم (البنية) هنا؛ حيث يتحدد مفهوم العنصر بشبكة العلاقات التركيبية التي تنتظم هذا العنصر مرتبطاً بالعناصر الأخرى في الشبكة الواحدة.
2 – المحايثة: صارت (المحايثة) مبدأ من مبادئ اللسانيات البنيوية، ووصفاً لـ «كل بحث يعرف بنيات موضوعه – غير معتمد – إلا على علاقات الحدود الداخلية لهذا الموضوع. فالمحايثة، إذن، «مصطلح يدل على الاهتمام بالشيء (من حيث هو) ذاته، وفي ذاته». فالنظرة المحايثة هي النظرة التي تفسر الأشياء في ذاتها، ومن حيث هي موضوعات تحكمها قوانين تنبع من داخلها وليس من خارجها.
3 – الآنية (Synchronie) والزمانية (Diachronie) ويعتمد المؤلف في تأثيله لهذين المصطلحين على معاجم أجنبية متخصصة تشير إلى أن «السنكرونية»: هي مواجهة دراسية للغة معينة، في زمن معين، بوصفها نظاماً ساكناً، بينما تدل «الدياكرونية» على تتبع وقائع اللغة في تعاقبها وتغيرها من مرحلة إلى أخرى ضمن مسارها التاريخي الممتد.
البنيوية التكوينية (Structuralisme Genétique)ارتكزت البنيوية الشكلانية على الدوال وبناها الشبكية؛ لكنها غفلت عن المدلولات الخارجية. ووجد النقاد في مراجعاتهم لمقولاتهم أن هذا المنهج انتهى إلى العقم ولا يمكن أن يكتسب خصوبته النقدية؛ وأن يجدّد نفسه إلا بتكامله مع المنهج التكويني. وجاء ذلك على يد الناقد والمفكر الماركسي «لوسيان جولدمان»([3]) الذي يرتكز على نظرية التماثل أو (التناظر) (Homologie)(Homology) التي تعني ببحث العلاقات بين الأثر الأدبي (أو البناء الروائي خاصة) والبناء الاجتماعي أي علاقات الطبقات الاجتماعية التي تسود العصر، فيما سمّاه (بنيوية تكوينية) تسعى إلى إقامة تماثل (أو تناظر) بين بنية النص والبنية الذهنية للشرائح أو (الفئات) الاجتماعية التي يستوحيها النص. ومن ثم كانت البنيوية التكوينية تهجيناً للهيكل البنيوي بالروح الاجتماعية.
وتقوم هذه النظرية على مفهومين متكاملين هما: الفهم (Comprhension) ، والشرح (Explication)، وينهض الأول بالبنية الصغرى (البنية النصية) أي الدراسة البنيوية للنص، بينما يتجاوز الثاني ذلك، إذ يضع هذه البنية الصغرى في إطار بنية كبرى هي البنية الاجتماعية المحيطة بالنص.
وهكذا يصير النص في هذا التصور المنهجي الجديد تعبيراً عن رؤية العالم([4]) (Vision du Monde)أو النظرة إلى العالم (World View) التي هي ليست وقائع فردية، إنما هي أحداث اجتماعية ترفد رؤى الفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها صاحب النص.
الفصل الثاني: الحقل الأسلوبي
تاريخ الأسلوبية – الميلاد والوفاة (1909 – 1969) في هذا الفصل يعرض المؤلف لـ «علم الأسلوب»، ويُلِّم برواده ممن استخدم هذا المصطلح، ومنهم «نوفاليس»، وهو من أوائل من استخدم هذا المصطلح. على أن الميلاد الحقيقي لهذا العلم تم على يد شارل بالي Charle Bally من خلال كتابه «الأسلوبية الفرنسية» (1909). ثم بدأ الاهتمام بالأسلوبية يتزايد مهتدياً بالمعطيات العلمية الألسنية؛ ومتقاطعاً مع حقول معرفية: كالبلاغة، وفقه اللغة، والنقد الأدبي، وعلم العلامات، إذ ظهر – من بعد بالي – طائفة من الأسلوبيين استقوا لأنفسهم طرقاً واتجاهات ضمن هذا العلم الجديد، أَثْرَتْ البحث الأسلوبي برؤى معرفية ومنهجية جديدة.
ويشير المؤلف إلى أن الإطار العام الذي ينتظم الأسلوبية تراوح بين اللسانيات والمنهج النقدي. وهي – فيما يذهب – ليست منهجاً قائماً بذاته، كما أنها ليست علماً مستقل الاختصاص، هي ممارسة علمية تتوسل في تحليلها للنص الأدبي بآليات منهجية، مستمدة من علوم عديدة (علم الدلالة، البلاغة، البنيوية، الإحصاء).
وفي عرضه لحضور «الأسلوبية» في الخطاب النقدي الجديد يتلبث أمام المنجز النقدي اللساني لأعلامه؛ ومنهم عبدالسلام المسدي، ومحمد الهادي الطرابلسي، وسعد مصلوح، وعبدالملك مرتاض وغيرهم. ويقف أمام الاتجاه الأسلوبي الذي راده سعد مصلوح ومرتاض. كما يعرض المؤلف لاتجاه أسلوبي أطلق عليه «الدائرة الفيلولوجية» (Cercle Philogie) وهي التسمية التي تطلق على منهج الأسلوبية المثالية (S. Idealiste) على نحو ما بلورها الألماني «سبيتزر» Lés Spitzer ؛ إذ أراد بهذا الاتجاه أن تكون الأسلوبية جسراً بين اللسانيات وتاريخ الأدب. وقد وصفها م. شيفر بأنها «أسلوبية أدبية تعبيرية نفسانية. وعاب عليها آخرون روحها الذوقية الانطباعية، وإن أجمعوا على نتائجها المسددة.
وفــــي مــــراجعتــــه لتعــــدد ترجمـــات الكلمة الموضوع (mot-thème)والكلمة – المفتاح (mot-clé)يبدي ملاحظ انتقادية ليخلص بنتيجة مؤداها أنه أجدر بالكلمة المفتاح أن تطبق على النصوص العلمية لا الأدبية، وبخاصة إذا كانت الكلمات المفاتيح بالمفهوم الذي يورده (معجم اللغة واللسانيات) الإنكليزي المتخصص:
Dictionary of Language and Liuguistics, (key-words).
هي المصطلحات (Terms) التي تمثل التصورات (والمفاهيم النموذجية في حقبة معينة، أو لدى فئة معينة، في سياقات علمية مخصوصة، بنسبة لا تعكس الاستعمال الكمي والكيفي لهذه الكلمة لدى عامة أهل اللغة التي تنتمي إليها تلك الكلمة. وعلى هذا الأساس جمع د. مانغينو بين كلمتي (المصطلحات) و(المفاتيح)، وجعل منهما عنواناً لمعجمه في تحليل الخطاب :
DM aingueneau: Lés Terms Clés. De L’annalgse Du Discours, mémo Seuil, 1996
ولا يتّسع المجال للحديث عن تحليل المؤلف لاصطناع الأسلوبية لمصطلحات الاستبدالية (Paradigmatique)، والتركيبية (Syntagmatique) ، والانزياح (Déviation, Ecart) .
الفصل الثالث: الحقل السيميائي :
لا يكاد يخلو فصل من فصول هذا الكتاب من تأكيد المؤلف وإلحاحه على تأثيل كل مصطلح، وتعقب جذوره اليونانية والعربية من بعد إغناءها ولتصبغ المشهد النقدي الجديد بصبغتها المائزة. فمصطلح (Sémiotique) يستدعي إدراك المفهوم اليوناني للحد (Sémion)الذي يحيل على سمة مميزة (Marque , Distinctive) ، أثر (Trace)، وقرينة (Indice) ، وعلامة منذرة (Sign, Précurseur)، دليل (Preuve) وعلامة منقوشة أو مكتوبة (Signe Gravé ou écrit)، وبصمة (Impreinte)، وتمثيل تشكيلي (Figuration) .
هذه العلامات (اللغوية وغير اللغوية) هي الموضوع المفترض لهذا العلم (السيميائية). وقد نشأ بين نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فمحور هذا العلم: «العلامة». ويعبَّر عنه بـ «علم السيمياء» وبصيغة المصدر الصناعي «السيميائية». وبالرجوع إلى المعاجم العربية نلاحظ أن المواد المعجمية الثلاث: السومة، السمة، السيماء، جميعها سواء في الاستعمال اللغوي. وكلها تفيد «العلامة»، وإن تغلبت الصيغة المقصورة (السيما) على سائر الصيغ في الاستعمال القرآني. وبالعودة إلى المفهوم، في سياقه التراثي، نلمس أن هذا الاستعمال جاء في سياقات «سحرية» مخصوصة على نحو ما جاء في مقدمة «ابن خلدون» ما دفع بعض المعاصرين إلى إحياء هذا المفهوم/ المصطلح العربي.
ويعرض المؤلف لدور «شارل ساندرس بورس» في الارتقاء بهذا العلم، ليصبح إطاراً مرجعياً يضم كل حقل غير لغوي.. في الرياضيات، والأخلاقيات، والماورائيات (الغيبيات) والصوتيات، الكيمياء، والتشريح، والاقتصاد، وعلم النفس، وتاريخ العلوم. وكل هذه الحقول المعرفية تستقل بتقسيم ثلاثي: الأيقونة icone / icon، القرينة index / indice ، والرمز symbole / symbol .
ويشير إلى تداخل السيميائية (Sémiotique)بالسيمولوجيا (Sémiologie) في الكتابات الغربية والعربية جميعاً، ما يوحي بأنهما حدان لمفهوم واحد، ويتجاهل الفروق الجوهرية التي تفصل هذه عن تلك، وينتهي من تحليله لآراء تودروف وديكرو حيث نجد أن المصطلحين يستخدمان بصيغة العطف والتخيير. على أن اللافت أن (السيميائية) معطى ثقافي أميركي – أساساً – يحيل على مفاهيم فلسفية شاملة وعلامات غير لغوية، بينما (السيميولوجيا) معطى ثقافي أوروبي هو أدنى إلى العلامات اللغوية، والمجال الألسني عموماً، منه إلى أي مجال آخر. على أن علماء العلامات كثيراً ما يرادفون بين المصطلحين. وقد كان لهذا التداخل تأثيراته لدى المترجمين لهذين المصطلحين على نحو أتاح للمؤلف تعقّب جهود المترجمين لمصطلحات النقد الجديد.
وداخل هذا الفصل (الحقل السيميائي) يحشد المؤلف طاقته في تأثيل مصطلحات بالغة الأهمية، تمثل – أو تكاد – العصب الحساس/ العصب الحائر في المشهد النقدي العربي الجديد. وتكمن الحساسية في أن المصطلح «الشعرية» يأتي في طليعة المصطلحات الجديدة التي احتلت مساحة من الانشغال النقدي، بات مهيمناً على الأنواع الأديبية جميعاً: الشعر، والسرديات. وقد رأينا المؤلف يمكث طويلاً أمام مفاهيم الشعرية ومشتقاتها، ومفاهيم السرديات واتجاهاتها، وشعرية الشعر، وشعرية النثر (شعرية السرد)، والسرديات الشعرية، وشعرية الخطاب السردي وشعرية الجمال. أما أنها تمثل العصب الحائر، فلأنه مصطلحاتها تمور موراً.
ويضيء المؤلف الطريق أمام القارئ في تعريفه للشعرية. فهو يرى أنها ولدت مع مطلع النهضة اللسانية الحديثة، مع الفكر البنيوي في طوره الشكلاني، ولكن اتساع مجالاتها، جعل تعريفاتها ترتبط بالحقول المعرفية التي هي موضع اشتغالها. ويستحضر تعريف تودروف T. Todorov : «كل شعرية – مهما تكن تنوعاتها – هي بنيوية، ما دام موضوعها بنية مجردة (هي الأدب)، وليس مجموعة القواعد التجريبية (الآثار الأدبية).
الفصل الرابع : الحقل التفكيكي
وفي معالجته لمصطلح التفكيكية (Déconstruction) يسجل المؤلف أن الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا هو الذي أطلق هذا المصطلح على القراءة النقدية المزدوجة. حيث تسعى هذه القراءة المزدوجة إلى دراسة النص دراسة تقليدية أولاً لإثبات معانيه الصريحة، ثم في مرحلة تالية من القراءة تسعى إلى تفكيك / تقويض ما تصل إليه من نتائج في قراءة معاكسة تعتمد على ما ينطوي عليه النص من معانٍ تناقض ما يصرّح به. وتهدف القراءة التفكيكية /  التقويصية إلى إيجاد ثغرة بين ما يقوله النص صراحة؛ وبين ما يقوله من غير تصريح. وبعبارة أخرى تسعى التفكيكية إلى تحرير النص الحي المفتوح من قيد القراءة الأحادية المغلقة.
إن القـــراءة التفكيكيـــة تستهـــدف تفجيـــر النـــص؛ انطــــلاقــــاً مــــن مبــــدأ اللاتمـــاسك (non-coherence)فقد اقترح دريدا «قراءة النص» بما هو إنتاج لمعان غير قابلة للتجميع (non-totatalisable). ووفقاً لهذا التصور، تغدو العلامة اللغوية – إذن – موضع اضطراب وتشويش (confusion) دائمين بين المعنى المرجعي (référential)والمعنى المجازي (figuré) بين الاختلاف (Différence) والاخـ(ت)ـلاف (Différance) .
وهذا هو المصطلح المركزي في فكر دريدا «التفكيكي». وقد ولَّد / (سكّ) هذا المصطلح بالاعتماد على الفعل الفرنسي (différer) ليستثمر صيغتيه في القاموس الفرنسي: الصيغة اللازمة، التي تدل على الشيء المغاير، المختلف (dissemblable) والصيغة المتعدية، التي تدل على إرجاء أمر ما أو تأجيله إلى وقت آخر (remetre à un autre temps)، مشتقاً مصدر الاختلاف (Différence)من الصيغة الأولى ذات الدلالة المكانية أساساً، أما الصيغة الثانية ذات الدلالة الزمانية، فقد اشتق منها مصدراً جديداً لا عهد للغة الفرنسية به، هو الإرجاء أو التأجيل، أو الاختلاف (Différance).
ويرى المؤلف أن دريدا استوحى فكرة الاختلاف – أصلاً – من دوسوسير الذي يرى أن العلامات لا تدل بذاتها وإنما باختلافها عن غيرها. ثم ذهب بالفكرة مذهباً بعيداً، متخذاً منها عنواناً مناهضاً لثبات المعنى. فالاختلاف – في رأي دريدا – يؤدي إلى تأجيل (إرجاء) المعنى. والنص – في نظره – تأجيل دائم للمعنى، لأنه لا يحيل على فكرة قاطعة، بل على لعبة دلالية.
وكعادته دائماً تلبث المؤلف أمام فرعيات نقدية بمصطلحاتها، وفي معالجة جاءت ضفيرة مجدولة من الجدية في المعالجة والعمق في التحليل؛ فإذا نحن نقرأ تحليله للمصطلحات الآتية: الأثر (Trace) ، والانتشار / الانتثار (Dissémination) والتعين (Dénotation) والتضمين (Connotation)لإشكاليات المعنى (Sens) والدلالة (Signification) والتناص (Intertexte) ، والتناصية (Intertextuality)، وذلك في ملاحقة مثابرة دؤوب لتفصيلات المعنى ودقائق المصطلح.
الباب الثالث : وقد جاء لمعالجة إشكالية الحد الاصطلاحي. وفيه توفر المؤلف على دراسة بنية المصطلح. وقد انشعب إلى فصلين:
الفصل الأول : ويعالج آلية الاصطلاح.وفيه يتغيا المؤلف دراسة «فقه المصطلح» حيث عالج: «المصطلح المشتق»، «المصطلح المجازي»، «المصطلح الإحيائي»، «المصطلح المعرّب»، «المصطلح المنحوت».
الفصل الثاني: ويقوم على دراسة مورفولوجية لإشكاليات الحد الاصطلاحي. وفي هذا الفصل توفر المؤلف على درس التعريب، وإشكالية رسم الحروف، والمعيار اللغوي وإشكالية الاصطلاح اللانحوي، والدلالة الاصطلاحية وإشكالية الصيغة الصرفية، وترجمة المصطلح، وإشكالية السوابق واللواحق، وإشكالية (الياء) بين الصفة والنسبة والمصدر الصناعي. ثم جاءت الخاتمة لتكون مُشْتملاً أَلَمَّ فيه المؤلف بما انتهى إليه في طوافه بإشكالية المصطلح في الخطاب النقدي الجديد.
وبعد أن أتيت على مفاصل العرض لأبواب الكتاب، أود أن أقف أمام ما تثيره أطروحته من قضايا تلامس – في الصميم – نظرية الترجمة؛ ولعلَّها من البواعث الحاملة على تأمل المشكل المصطلحي في النقد العربي الجديد. كذلك فالكتاب، على نفاسته، فيه من مسائل الخلاف ما يستوجب التلبث أمامها.
  • قضية الترجمة (ترجمة المصطلح):
تعددت الترجمات العربية للمفهوم الوافد الواحد تعدداً لافتاً؛ حيث ترجم مصطلحا (Paradigmatique) و (Syntagmatique) بما لا يقل عن أربعين مكافئاً عربياً، كما ترجم مصطلح (Déviation) ، (Ecart) بما يتجاوز الأربعين مكافئاً، وترجم مصطلحا (Sémiotique) و (Sémiologie) بست وثلاثين ترجمة، كما ترجم مصطلح (Poetique) باثنتين وثلاثين. وإلى جانب ذلك،فإن لمصطلح (Linguistique) أربعة وعشرين بديلاً. كما تترادف أربع عشرة ترجمة كاملة على مصطلح (Structuralisme)، وخمس عشرة ترجمة على مصطلح (Thème).
وباستعراض البدائل المصطلحية التي اقترحتها الترجمات العربية لمصطلح (Déconstruction)نلاحظ أنها بلغت عشرة مقترحات: (التفكيك، التفكيكية، التشريح، التشريحية، التقويض، التقويضية، نظرية التقويض، النقضية، اللابناء، التهديم، التحليلية البنيوية).
وفي تحليل ماتع يتعقب المؤلف حيثيات عدول «عبد الملك مرتاض» عن مصطلح «التفكيك» أو «التفكيكية» إلى مصطلح «التقويض» أو «التقويضية» التي يخص بها المصطلح الفرنسي (Déconstructionisme)من باب «أن أصل المعنى في فلسفة دريدا تقويض يعقبه بناء على أنقاضه، على حين أن معنى التفكيك في اللغة العربية يقتضي عزل قطع جهاز أو بناء عن بعضها بعض دون إيذائها، أو إصابتها بالعطب، كتفكيك قطع محرك أو أجزاء بندقية وهلم جرا… والخيمة في العربية تطنب إذا بُنيت، و(تقوّض) إذا أسقطت أعمدتها وطويت. وقد جاء هذان المعنيان متلازمين في بائية أبي الطيب المتنبي (إشكالية المصطلح… ص ٣٤٧).
أما مصطلح (Intertext) Intertexte، (Intertextuality) Intertextualitésفقد تعددت ترجمات هذا الحد الاصطلاحي الأجنبي (المُصدَّر بالسابقة اللاتينية (Inter) الدالة على البينية “Entre = “بكل ما تتضمنه من أشكال التفاعل والتداخل والاشتراك، حتى تجاوز عددها عشرة مصطلحات: (التناص، التناصية، التناصصية، التضمين النصي، التداخل النصي، المداخلة النصوصية، تداخل النصوص، النصوص المتداخلة، البنيصية، بين نص، تفاعل النصوص». أضف إلى ذلك تنويعات اصطلاحية أخرى للمصطلح نفسه، من نحو مقترح «محمد بنيس» بـ «هجرة النص» أما يوسف وغليس فقد قدم مقترحين: (النصوص المتقاطعة) وقد اشتققها من (تقاطعات النص) التي شرحها «عز الدين المناصرة» (في جمرة النص).
أما المصطلح الآخر، «التناسخ النصي» فقد تحقق في هذا المصطلح «صدر العلم» (Background)، وفي تأثيله لحيثيات «سبك / سك» المصطلح حيث بدت له في المصطلح المقترح ذاكرة معرفية وطاقة دلالية قويتان؛ بحكم الدلالة اللغوية للنسخ (الكتابة، النقل، الإزالة، الإبطال)، والمرجعية الدينية؛ حيث يُحيل التناسخ على مفهوم التقمص أو تناسخ الأرواح في الثقافة المسيحية، كما يُحيل على فكرة الناسخ والمنسوخ في الثقافة الإسلامية ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأتِ بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦]، والمرجعية اللغوية للنواسخ في النحو العربي منها تحيل – وهذا هو الأهم – على المفهوم النقدي التناصي «البارتي» [نسبة لـ «رولان بارت»]الذي يجعل من النّاصّ (المؤلف) مجرد ناسخ “Scribe” (Scripteur) بالإنكليزية.
ومن أسف أن المؤلف أعرض عن طرحه لافتقاره – فيما يرى – لقوة التداول والاستعمال. وإن كنتُ أؤثر هذا المقترح على غيره من المقترحات التي عرض لها. ويُحمد للمؤلف أنه يُخضع هذه المقترحات للنقد المصطلحي، معتمداً على ركائز مرفولوجية أو دلالية على أنه – مرتكزاً على منطق المفهوم المصطلحي – يصطفي ترجمة المصطلحين بإحدى الطريقتين: إما بالتناص (Intertexte) والتناصية (Intertextualité) للحفاظ على الفوارق الدقيقة/الرهيفة بين المفهومين؛ ما دام الأول ينصرف إلى مجرد استحضار النصوص الغائبة التي ترتسم في أذهاننا حين قراءة نص حاضر مائل أمامنا (ومنه يقترح تسمية تلك النصوص الغائبة المضمنة في النص الحاضر «ذاكرة النص»)، أما الثاني فيتجاوز فعل الاستحضار والتذكر التي تتبع تحولات الغائب في الحاضر، وقراءة الحاضر على ضوء الماضي الذي يستذكره ويحيل عليه، وتحديد أنماط التفاعل النصي ومستوياته، والوقوف على أيديولوجية النص من خلال المرجعية النصانية التي ينبني عليها.
وعلى مقربة من مصطلح «هجرة النص» يستوقف المؤلف: (النصوص اللواقح). وهو مصطلح من تقانة «الطاهر الهمّامي» أورده في نطاق حديثه عن حضور النصوص المشرقية الغائبة (الأدبية، الدينية، التاريخية، الجغرافية) في أشعار لسان الدين بن الخطيب التي تتعمد استحضار «نصوص بعينها حتى لكأنها نصوص لواقح لا يستوي النص المغربي إلى (هكذا) [إلا] بحلولها فيه (يوسف وغليس 408)، وتعلن التناص معها بوصفها «العيار» الذي به تقاس الجودة واللقاح الذي منه يستوي أمر القصيدة في القرن الثامن الأندلسي عند ابن الخطيب وأضرابه.
ويمضي المؤلف في تأثيله للمصطلح، حيث يذهب إلى أن (النصوص اللواقح) – في ذاتها – تُخفي نصاً قرآنياً غائباً: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين﴾ [سورة الحجر، الآية: ٢٢] يحيل على «الرياح اللواقح» التي تُلقح السحاب فيتنزل ماء يسقى، وبقياس هذه على تلك تغدو (النصوص اللواقح) رياحاً مرسلة على النص تشبعه ماء ورواء، تحييه وتجدده، إنها مصل إنتاجي مضاد للعقم، حاضن للابتكار.
وهذا تأكيد ضمني آخر على أن المتناصات (Intertextes) هي ماء حياة النص الإبداعي. وهذا التحليل يلتقي ومقولة الغذامي: (النص ابن النص) حيث تدخل النصوص في شجرة نسب طويلة ذات صفات وراثية وتناسلية؛ فهي تحمل صبغ (جينات) أسلافها، كما أنها تتمخض عن (بذور) لأجيال نصوصية تتولد عنها.
  • قضية المصطلح النقدي الجديد في ضوء نظرية الترجمة :
إن المصلح النقدي الجديد نتاج الثقافة الغربية المعاصرة؛ وتلك تأوي إلى ركن شديد من الفلسفة الغربية المعاصرة التي تعد الحاضن لها؛ وبها تعتصم. ومن بعد، انتشر المصطلح لدى النُّقّاد واللسانيين. وهذا يعني أنّ أي حركة نقدية عظيمة لا بد أن تسندها حركة فلسفية عظيمة. ويلوح للناظر في المشهد النقدي الجديد أن المصطلح النقدي الجديد ثمرة ثقافة المصدر (الغربي). والسؤال: أليس ذلك بكافٍ لكي نحاول أن نتعرف علّة افتقاد التكافؤ بين المصطلح في ثقافة المصدر؛ مقارنة بانتقاله إلى ثقافة الهدف؛ أو الثقافة المستقبِلة؟
أحاول أن ألتمس إجابة عن هذا التساؤل بالاختلاف إلى نظرية الترجمة لدى منظِّريها.
عرض توري “Gideon Tory” لنظرية التكافؤ في الترجمة. وذهب إلى أنها ظلّت على حالها دائماً من كونها ذات «نزعة توجيهية» (Directive) و«معيارية» (Normative) لأنها لا تعترف إلا بـــ «الأمثلة الصحيحة» (Correctinstances) و«الأنماط» (Types). ووفقاً لهذه النظريات تقاس صحة الترجمة وكفاءة المكافئ في نص اللغة الثانية دائماً بدرجة توافقه مع النص – المصدر، ويكون ذلك بإعادة تركيب جميع السمات الوظيفية «ذات العلاقة» في النص – المصدر، سواء كانت هذه السمات عناصر لسانية أو أدبية. ويُفْهم من ذلك تقليدياً أن متطلبات الترجمة يحددها النص – المصدر، ونتيجة لذلك كان من الضروري أن تكتسب هذه المتطلبات صفة المثالية. أما نظرية توري، فإنها تعارض النظريات التي تقوم على أساس التطابق المفرد المتوحد والمجرد [بين النصين]، أو على أساس التأويل الصحيح لأداء متعادل بينهما. إن طرازه مؤسس على الاختلاف، وهو يسلم بوجود الاختلافات البنيوية بين اللغات «فكل نسق لساني، أو تقليد من التقاليد النصية منفردين أو مجتمعين «يختلف» عما سواه من حيث البنية، والمخزون (Repertory) ، ومعايير الاستعمال.. إلى آخره». ويفترض توري وجود قطبين افتراضيين: أحدهما للمقبولية التامة في الثقافة المستهدَفة على أقصى الطرف، والثاني لتمام الوفاء بالنسبة إلى النص المصدر (Total adequacy)على الطرف الأقصى الآخر، ومن ثم يحدد توري موقع الترجمة بأنها دائماً في الوسط: فليس ثمة بحال ترجمة يمكن أن تكون «مقبولة» كل القبول في الثقافة المستهدفة، لأنها دائماً تقدم معلومات وأشكالاً جديدة تفعل فعل التعجيب في ذلك النص، كما أنه ليس ثمة بحال ترجمة تتصف بتمام الوفاء للنسخة الأصلية، لأن المعايير الثقافية تدفع إلى إحداث التغييرات البديلة (Shifts)مع تبني النص – المصدر. وقد كانت السمة الغالبة – تاريخياً – على نقد الترجمة هي النزوع إلى تتبع أخطاء المترجم، لأن النص الفعلي لا يمكن بحال أن يوافق المقاييس المثالية التي يفرضها هذان القطبان المجردان…
غير أن توري عندما تأمل الترجمة من منظور الثقافة المستهدفة ذهب في حجاجه إلى أن التكافؤ في الترجمة ليس نموذجاً افتراضياً، ولكنه مسألة اختبارية (إمبريقية). إن العلاقة بين النص – المصدر، والنص المستهدَف ربما تعكس – أول لا تعكس – العلاقة المجردة المفترضة بينهما، إلا أن النص المترجم موجود بما هو مُنتَج اصطناعي لكي يُحِلّ محل النص – المصدر صيغة مقبولة في الثقافة المستقبِلة» (إدوين غينتسلر: في نظرية الترجمة، ترجمة سعد مصلوح: 300 – 302).
وعلى هذا، فإن التحدي الذي يواجه المترجم في لغة النص الهدف TL text تتطلب منه معرفة بالإطار Frame المتمثل في خبرة القارئ/المترجم والكامنة في الذاكرة البعيدة المدى Long Termmemory ، وكأني بالمترجم يمتح من معرفته بـ «المتبقي» الاجتماعي الثقافي/أو يكون لديه صدر علم بالنسق الاجتماعي الثقافي socio-cultural background.
وبمقارنة جشطلتية … ومن ثم، فلا بدع في أن يصف منظرو الترجمة عملية الترجمة بأنها خلق أو إبداع معرفي Cognitive Creatirn ،
(See: David Katan, Translating Cultures, St. Jerome Publishing, U.K, 1999, P. 124, 125)
ويلوح مما سبق أن الجهود المصطلحية ينبغي أن تعتمد استراتيجيتها ثقافة «حضور الماضي»؛ لأن المصطلح النقدي بحمولته الدلالية تتطلب الوعي، لا بما يعنيه في ثقافة المصدر، فحسب، بل كذلك بما يحمل من دلالة في ثقافة النص المستهدَف؛ وهذا يتحقق بإحياء ثقافة الحوار مع الماضي، بإحياء الجذور التي تمتد شجرتها وأغصانها اليانعة في الحاضر، وفق رؤيتنا لهذا الموروث، ومدى قدرتنا على الإفادة من عطائه.
وغير بعيد من هذا القول؛ نمكث مع ما أثاره المؤلف من قضايا في محاولة لقولة إنصاف في مسائل الخلاف:
١ – الموقف من المصطلح الإحيائي
عوَّدنا المؤلف تحديد المفهومات المصطلحية عند معالجته للإشكاليات التي تطرحها هذه الدراسة العلمية الجادة – وتلك آية الروح العلمية التي يتحلى بها – فهو يبدأ بتحديد معنى «الإحياء» (أو التراث لدى آخرين) ويتلقف تعريف المسدي وعلي القاسمي بأنه: «ابتعاث اللفظ القديم ومحاكاة معناه العلمي الموروث بمعنى علمي حديث يضاهيه» وهو – بتعبير آخر – مجابهة الحاضر باللجوء إلى الماضي، للتعبير بالحدود الاصطلاحية التراثية عن المفاهيم الحديثة، من باب أفضلية «العودة إلى التراث لاستكناه مصطلحاته والاستفادة منها في التعبير عن أغراضنا المستجدة» (إشكاليات… ص 85). وبعد مناقشة لما أثارت ندوة (توحيد منهجيات وضع المصطلح العربي) 1981 ينتهي إلى أنه يسلّم بالوسيلة الإحيائية في ذاتها، على أنه ينبِّه إلى ما يحف بها من مزالق. وفي موضع آخر من كتابه يرى أن «محاولة إحياء الرميم الاصطلاحي المتناثر في تراثنا النقدي لمجابهة المعرفة النقدية التي تحملها المصطلحات الأجنبية الوافدة، هي محاولة عسيرة، بل معجزة أحياناً، قد ينقلب فعلها على الفاعل» (م.ن ص 452).
والواقع أن هذا القول – على إطلاقة – بحاجة إلى نظر. ففي داخل هذا الرميم قد تكون هناك جمرة حميمة كامنة؛ في انتظار من ينفخ فيها الروح ويعيد إليها الحياة. ونحن أحوج ما نكون إلى إحياء الذاكرة الثقافية، وأن يكون التراث مُكَوِّناً فاعلاً في كياننا الثقافي والروحي. وإن رؤيتنا السليمة للتراث، قد تعيننا في كثير من الأحيان على تمثل بعض القضايا التي تعترض طريق التجديد نفسه. ومن ثم، فعلينا أن نعالج المصطلح التراثي بعين من يؤمن بحضور الماضي في الحاضر([5]) ؛ وليس مضيه فحسب، على حد تعبير إليوت، وأن نكون على وعي أن بوّابة المستقبل أو التجديد هي قتل القديم بحثاً. وهنا تكون النظرة «الرجعية» (بالمعنى الذي أشار إليه عبد الرحمن شكري) هي عين التقدم والنهضة.
فليست العودة أو الرجوع إلى الماضي «نكوصاً أو دفاعاً سيكولوجياً» لإشكالية الخطاب النقدي (م.ن. 458) كما يذهب المؤلف. ولا يعني هذا القول – إذا فهم القارئ أطروحات المؤلف الممتدة على مدار البحث – أنه ممن يؤمنون بالقطيعة المعرفية والماضي؛ وإلا فكيف نُفَسِّر تلقفه لمصطلح نقدي قديم – مصطلح «التسويم» للناقد الفذ «حازم القرطاجني» في منهاج البلغاء (م. ن 253) واعتماده مصطلحاً نقدياً. وليس الخطر الحقيقي – كما يقول عز الدين إسماعيل بحق – في التنقيب في القديم، ولا في الإيغال في البحث عن الجديد، وإنما الخطر كامن دائماً في عمليات التزييف التي قد تصحب استقبالنا للجديد ونظرتنا للقديم. وليس من المنطق أن نبدأ من نقطة الصفر المنهجي، ونفرط في عطاء أربعة عشر قرناً من النتاج اللساني المتميز.
٢ – عن الشعرية
في تساؤل المؤلف: ما هي الشعرية؟ يجيب: «إنه – في واقع الحال – لمن العبث بمكان أن نبحث عن مفهوم ناجز وتصور واضح لهذا الحد الاصطلاحي (بصيغة المصدر الصناعي) في تراثنا النقدي العربي القديم، وما دام الأمر كذلك، فإن من المسلمات – إذن – أن يكون هذا الحد مشبعاً بمفهوم وافد من الثقافة الأوروبية؛ حيث تسعى «الشعرية» إلى أن تكون بديلاً مكافئاً للمصطلح الفرنسي (Poétique) أو الإنكليزي (Poetics) » (إشكالية الخطاب النقدي… ص 272).
وأرى أن مصطلح «الشعرية» ليس بجديد على الخطاب النقدي العربي القديم، فقد احتضنه الفكر الفلسفي والنقدي عند الفارابي (رسالة في قوانين صناعة الشعر: 150، 151) وابن سينا (فن الشعر من كتاب «الشفاء»: 162) وابن رشد: (تخليص كتاب أرسطوطاليس في الشعر: 209، 229).
وقد ارتبط مفهوم «الشعرية» في هذه المصادر بقضية الأثر النفسي للشعر وما يحدثه من التعجيب. فالتعجيب عند ابن سينا «مرتبط بالتخييل في الشعر مطلقاً، وبالوسائل التي تنفعل بها النفس، دون إعمال فكر أو روّية، فتنقبض عن أمور وتنسبط لأمور حسبما يريد الشاعر». (سعد مصلوح: حازم القرطاجني ونظرية المحاكاة في الشعر، عالم الكتب، 1980، ص 185) وقد تابع حازم ابن سينا في القول بأن التخييل يتغيا تحريك النفس إلى طلب الشيء أو الهرب منه» (م. ن. ص 186). فالشعر: «من شأنه أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها ويكره إليها ما قصد تكريهه لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه» (المنهاج: 71 والنقل من مصلوح ص 186) وأن هذا «إنما يتأكد بما يقترن به من إغراب، فإن الإغراب والتعجيب حركة للنفس إذا اقترنت بحركتها الخيالية قوي انفعالها وتأثرها» (م. ن).
وفكرة «التعجيب» الناجم عن الأثر النفسي للشعر – وهي في أساسها فكرة أرسطية – كانت الفكرة – المدار عند الفلاسفة المسلمين. وفي دراسته الرائدة عن «حازم القرطاجني ونظرية المحاكاة والتخييل في الشعر» (عالم الكتب؛ 1980) تلقف «سعد مصلوح» الفكرة من «ابن سينا» وتابعها عند «حازم». ومن بعد، جاء الغذامي في كتابه «ثقافة الأسئلة (دار سعاد الصباح: 1993) ليعتمد المصطلح وإن وضعه في سياق آخر.
واللافت أن المؤلف في حديثه عن مصطلح الأثر (Trace)يشير إلى منهج الغذامي في تعاطي النص: «… ومدخلنا لقراءة أي نص أدبي يجب أن يكون من خلال ذلك الأثر الذي به يتحقق (الفعل والانفعال) أو (العجب) حسب تعبير الشيخ الرئيس» (ثقافة الأسئلة، ص 73 والنقل من يوسف 366). وعلى ما بين الناقدين من اختلاف في سياق توظيف مصطلح التعجيب؛ الذي هو مناط مفهوم الشعرية لدى الفلاسفة المسلمين، وعلى رأسهم «ابن سينا» يبقى المثال – المصطلح – دالاً على ميل الميزان إلى غير ما ذهب المؤلف في مبحثه المشار إليه آنفاً.
٣ – من «المصطلح المجازي»
الناظر في مبحث «المصطلح المجازي» يشعر بمفارقة بين معالجة المؤلف المتميزة وبين العنوان، لاسيما إذا وضعنا التعريف الذي ارتضاه للمصطلح النقدي بأنه: «رمز لغوي (مفرد أو مركب) أحادي الدلالة، منزاح نسبياً عن دلالته المعجمية الأولى، يعبر عن مفهوم نقدي محدد وواضح، متفق عليه بين أهل هذا الحقل المعرفي، أو يرجى منه ذلك». (إشكالية المصطلح… ص 24).
وإذا وقفنا أمام لفظة «المجاز» فإنها تستدعي التعريف الاصطلاحي للمجاز. ففي «التعريفات»: «المجاز: ما جاوز وتعدّى عن محله الموضوع له إلى غيره لمناسبة بينهما، إما من حيث الصورة أو من حيث المعنى اللازم المشهور، أو من حيث القُرب والمجاورة، كاسم الأسد للرجل الشجاع، وكألفاظ يكنى بها الحديث»([6]).
وقال عبدالقاهر: «المجاز مَفْعَل من جاز الشيء يجوزه إذا تعداه، وإذا عدل باللفظ عما يوجبه أَصْل اللغة وصفه بأنه مجاز على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلي، أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولاً» وقال: «وأما المجاز فكل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول فهي مجاز. وإن شئت قلت: كل كلمة جزت بها ما وقعت له في وضع الواضع إلى ما لم توضع له من غير أن تستأنف فيها وضعاً لملاحظة بين ما تجوز بها إليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها فهي مجاز([7]).
وعلى الرغم من أن المؤلف يرتكز، في تعليله لاصطفاء هذا المصطلح؛ على ابن جني في قاعدته: «المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة.. لينطلق إلى أن الكلمة «إذ تستقر على هذا المعنى المجازي – كأنما تكتسب معنى حقيقياً جديداً، وتتحول من «كلمة» إلى «مصطلح» (إشكالية الخطاب النقدي، ص 84)، فإن القارئ يشعر بأن سك تعبير «المصطلح المجازي» لم يرقَ إلى درجة الحد «الجامع المانع» لاسيما عندما نجمع بين دلالة لفظة (المصطلح) ودلالة لفظة «المجازي».
٤ – عدم تحرير النسبة لبعض المصطلحات :
يقول المؤلف – نقلاً عن محمد رشاد الحمزاوي في كتابه: «المصطلحات اللغوية الحديثة في اللغة العربية» -: «… بينما وجدنا مجمع اللغة العربية بالقاهرة يثبت مصطلحاً إشكالياً آخر هو «السيمية». والمؤسف أن هذا المصطلح رغم أنه قرر سنة 1962 ، [التمييز من عندي] إلا أن لا أحد أخذ به» (إشكالية المصطلح… ص 235) ثم يعلق قائلاً: «وهذه إحدى مشكلات المجامع اللغوية التي تحرص على النقاء اللغوي وتدير ظهرها للبُعد التداولي، ومن جهة ثانية فإن هذا المصطلح يلتبس بصيغة النسبة إلى مصطلح آخر (sème)في شكله المعرّب المألوف عند عامة السيميائيين العرب (التحليل السيمي: L’analysémique) الذي يتداخل مع نتيجة الاقتراح «المجمعي» (التحليل السيمي – L’analysémantique)» (م. ن، ص 236 – 237).
والاقتراح المجمعي الذي يشير إليه المؤلف، هو من قرارات المجمع اللغوية. وكان الأستاذ «عباس محمود العقّاد» ألقى بحثاً بعنوان «السيمية» في الجلسة الثالثة لمؤتمر المجمع في دورته الثامنة عشرة. وانتهى مجلس المجمع في الجلسة السابعة والعشرين: (26 من مايو/1952) وليس 1962، كما ذكر المؤلف نقلاً عن الحمزاوي – إلى قرار وافق عليه المجلس؛ وتسبيب القرار هو: «يرى المجمع الأخذ باستعمال كلمة «السيمية» وإطلاقها على البحث الحديث المعروف عند الغربيين بكلمة Semantics. أما استعمال «علم الدلالة» فقد يوقع في اللبس الذي ينشأ من اشتراك المعنى بين عدة أغراض. وقد وضعت مباحث السيمية لاتقاء مثل هذا اللبس» (مجلة مجمع اللغة العربية، الجزء الثامن، ص 447). أما طرح قضية حرص المجمع على النقاء اللغوي في هذا السياق تحديداً، فهي عراك في غير معترك. فبحث العقاد «وثيقة مادية تؤكد انفتاح مجمع اللغة العربية على المنجز المصطلحي الجديد (سنة 1952 وليس سنة 1962)، وفاتحة البحث لافتة. «موضوع هذه الكلمة مبحث جديد تشتغل به طائفة من الغربيين يبحثون في المنطق واللغة وأساليب التعبير، ويسمون مبحثهم بالسيمية من كلمة Sematic أو Semantic أو Semasiology وكلها مأخوذة من كلمة Sema اليونانية بمعنى علامة أو رمز أو إيماء». (نشر هذا البحث في مجلة مجمع اللغة العربية، القاهرة، الجزء التاسع، 1975، ص 14 – 18).
وهذا المقتبس إقرار بريادة العقاد في سك المصطلح. وهذا المصطلح مقبول مع الإقرار بوجود خلط في المكافئ الأجنبي بإقحام المصطلح Semantic = علم الدلالة) في سياق الكلام على السيمية، مع ما بينهما من عموم وخصوص.
وعلى مرمى حجر من جهود «العقاد» في تأثيل مصطلح «السيمية» تلوح جهود «إسماعيل مظهر» في معالجة قضايا آليات فقه الاصطلاح وإمساسها مورفولوجياً، لاسيما المصطلح المعرّب، المشتق، المنحوت؛ ما يلقي الضوء على (ماضي) البحث في المشكل المصطلحي. (انظر: إسماعيل مظهر: تجديد العربية بحيث تصبح وافية بمطالب العلوم والفنون، مكتبة النهضة، د. ت، ص ص 6، 8، 56). ومقال إسماعيل مظهر: من أسرار العربية – تعليل بناء الكلمات الفصيحة بالنحت والزيادة، المقتطف، مارس 1940، ص 293 – 299، وتعليق أنيس فريحة، المقتطف مايو 1940، ص 568 ، 569).
5 – موقف المؤلف من الأسلوبية / علم الأسلوب
في فاتحة الفصل الثاني: «الحقل الأسلوبي» يطالعنا المؤلف بالعنوان الآتي: «تاريخ الأسلوبية – الميلاد والوفاة (1909 – 1969)!» (إشكالية المصطلح، ص 175، ص 178) ولا يغيب عن المؤلف أن يستحضر مفهوم العلم لغة بما هو (المعرفة، والخبرة والشعور والدراية والإدراك) واصطلاحاً: «مجموع مسائل وأصول كلية تجمعها جهة واحدة» (م. ن. ص 39، 40).
على أن المؤلف يعيد النظر في إشكالية علمية الأسلوب. ليؤكد أن إعلان هذا الموت لا يخص إلا نفراً من الباحثين، وهو ما يجعل الحكم بالإعدام قابلاً للاستئناف، على نحو ما فعل جورج (مولنييه G. Molinié).
لكن عند الحديث عن الأسلوبية يتراءى للقارئ وكأنها باتت عارية من المسائل أو الأصول، وأنها تجردت من أسئلة العلم، وهو قوام وجودها. وهذا لم يحدث. لسبب واضح، وهي أنها من علوم العربية. وتلك هي العلوم المتعلقة باللغة العربية، كالنحو والصرف والبلاغة، وتسمى بعلم الأدب. ومن الخطأ أن ننظر إليها بمعزل عن روافدها التي تغتذي منها. ولعل النظرة في عنوان كتاب «السكاكي»: مفتاح العلوم «تؤكد أنه لم يكن يقصد البلاغة فقط، ولكن منظومة علوم اللغة؛ من النحو والصرف والعروض وعلوم البلاغة (البيان والمعاني والبديع). وكذلك «المرصفي» في كتابه: «الوسيلة إلى علوم العربية. إن هذه العلوم جميعاً متآخذة، متضافرة، تتساند ولا تتعارض، يغتذي بعضها من بعض لتكون تاجاً لـ «علم النص».
وإذا كانت البلاغة، ومناط بحثها «الجملة»، وعلم المعاني خاصة، هو النمط العالي من النحو. والنحو نفسه، نحو الجملة، هو علم معياري. وعلى الرغم مما قيل من أنه علم نضج واحترق على القول المأثور، فإنه يبدو كطائر الفينيق يجدد نفسه.
وما يقال عن البلاغة وركيزتها نحو الجملة، ينسحب على علم الأسلوب، ومناط بحثه النص كاملاً/بتمامه. ومن ثم تأتي الأسلوبيات اللسانية في معالجتها للنص وقد اعتمدت مصطلح الاعتماد النحوي Grammatical/Dependencyوذلك من خلال شبكة هرمية متداخلة من الأنواع:
١ – الاعتماد في الجملة                       intra-sential
٢ – الاعتماد فيما بين الجمل                 inter-sential
٣ – الاعتماد في الفقرة أو المقطوعة.
٤ – الاعتماد فيما بين الفقرات أو المقطوعات.
٥ – الاعتماد في جملة النص.
وما سبق يفضي بنا إلى النظر في«الأسلوب» بما هو علم، وما ينبغي لنا أن يكون معيارنا منظار «علم الأحياء»، بحيث يبدو وكأنه «حيوان أميبي وحيد الخليّة، محكوم عليه بالانقراض. على أن المؤلف، وهو صدد تقويم الجهود النقدية التطبيقية أشاد بجهود «سعد مصلوح» في الاتجاه الأسلوبي الذي يُعرف لدى الغربيين بتحقيق نسبة النص إلى المؤلف (Critiqued’attribution)لكن القارئ يعجب من العبارة التالية لذلك مباشرة وفيها يقول: «برغم أن سعد مصلوح لا يدعي ذلك ولا يومئ إليه أصلاً» (إشكالية المصطلح…ص 188) والحق، فإن «سعد مصلوح» في النص الأدبي يعرض لمقياس يول في الفصلين الثالث والرابع من كتابه عرضاً مستفيضاً، وبيّن الأساس الإحصائي، وقدَّم في الكتاب عدداً من تطبيقات المقياس أثبتت قدرته على تمييز البصمات الأسلوبية للمؤلفين»([8]). ولم ينس «مصلوح» أن يشير إلى أن تاريخ هذا المقياس يعود إلى 1944، وإلى عدد من اللغويين ممن أسهم في صياغة هذه المقاييس، منهم جيرو Guriaud وجوزفين مايلز Gosephine Mils .
والواقع أن انشغال «سعد مصلوح» بالأسلوبيات الإحصائية، يعود إلى السبعينيات من القرن العشرين إبّان سنوات التحصيل العلمي في موسكووهو حريص على تحديث منهجه وإرهاف أدواته. وقد أثرى حقل اللسانيات النقدية بمصطلحات جاءت «جدائل» من «جداول» التراث والمعاصرة([9]).
بقيت ملاحظات شكلية بأخطاء طباعية، أوردها حرصاً على نفي الشوائب عن ذلك الوجه المضيء ومنها:
-         كلمة «وصمة» ص 65، السطر 22 الصواب «وسمه » كما يقتضي السياق، وكلمة «ترف» ص 111 والصواب: «اعترف» السطر الأول. وفي ص 119 «زكريا إبراهيم» وليس «إبراهيم زكريا»، وفي هامش الصفحة نفسها الهامش رقم (2) إشارة إلى كتاب المؤلف «الخطاب النقدي عند عبد الملك مرتاض»، وفي قائمة المصادر والمراجع يرد في بند (ث – الرسائل الجامعية: ) . إشكاليات المنهج والمصطلح في تجربة عبد الملك مرتاض النقدية، مخطوط ماجستير، وواضح أن الكتاب المطبوع هو في الأصل الأطروحة المذكورة، فلماذا وُضع ضمن المخطوطات (ص 537) في حين كان الاعتماد على الكتاب المطبوع.
-         هامش رقم269، ص 532 تتقدمه والصواب «تقدمه»..
-         تكرار «كلما» ص 399 السطر الرابع خطأ شائع. وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً﴾.
-         ص 351 الفقرة الرابعة السطر الثاني: بالمفهوم «الدريدي» وليس«الدريري».
-         وفي ص 131 السطر 17 «تمام حسان» وليس حسان تمام.
-         وانسجاماً مع أطروحة البحث أؤثر كلمة (الجديد) بدلاً من (المعاصر)، ص 138 السطر 19 وكذلك في السطر 12، ص 150.
-         وفي ص 210 الفقرة الرابعة السطر الثاني عبد الملك مرتاض وليس المرتاض.
-         أحياناً يُغفل المؤلف اسم المؤلف في المتن والهامش، ويكتفي بذكر البيانات كاملة في قائمة المراجع على نحو ما جاء في هامش رقم 11 (المصطلحات اللغوية الحديثة في اللغة العربية)، ص 235 وهو ما يدفع القارئ أن يراجع القائمة بتمامها ليهتدي إلى المؤلف.
-         وفي ص 294 وخلاصة «أطروحة حازم» وليس «حاتم» السطر السادس.
-         وفي ص 378 الفقرة الثالثة السطر الثاني «القائم» وليس «الغاشم» وفي الصفحة نفسها الفقرة الرابعة السطر الأول «نهاية» وليس نهاة.
-         وفي ص 387 السطر الأول يقول للمؤلف: «وفي حوار نقدي نادر أجرته الدكتورة نبيلة إبراهيم (بجامعة كونستانس الألمانية الغربية في صنفة 1984) مع أحد أقطاب نظرية التلقي و. إيزز (w. iser) والدكتورة نبيلة إبراهيم هي أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة.
-         في ص 408 السطر 12 «… لكأنها نصوص لواقح لا يستوي النص المغربي إلا بحلولها فيه» على نحو ما يقتضي السياق وليس «إلى».
-         في ص 443 السطر السابع: «العربي» وليس «العرى».
-         في ص 451 ٣ – المصطلح الإحيائي [عنوان الوحدة رقم ٣ ] وليس المصلح.
-         في ص 454 البند ٣ – ٣ السطر السابع: «على نحو» اختياري، على نحو ما يقتضي السياق، وليس «محو».
وما سبق من ملاحظات شكلية لا تنال من الجهد المبارك، الذي نهض به المؤلف لترويض أطروحة إشكالية الخطاب النقدي العربي الجديد التي عالجها النقد العربي الجديد ونقاده، أولئك الذين تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. فكل حزب من هؤلاء فرح بما اصطنع أو سك من مصطلح. لكن أشهد أن الباحث استطاع بما تحلى به من ثقافة عريضة وعميقة، وعناد لا يقدر عليه إلا من كان من ذوي العزم من الباحثين. أن يرود الطريق لمن يأتي من بعد، في طريق شائق وشائك. لقد استطاع المؤلف الفاضل أن يجسّد بهذا العمل البديع الفكرة التي كثيراً ما ألح عليها «يحيى حقي»: «النقد في جوهره «تسجيل وتبويب وتقويم وتبصير يلاحق ويسبق الأعمال الفنية التي تحاول الأمة أن تعبر بها عن نفسها.

هـوامـش  وتعليقات:
=========================
1 –        صدر العلم: يعني هذا المصطلح؛ في الموروث العربي، المعرفة السابقة بأصول العلم أو مبادئه Background .  وهذه الصياغة ثمرة من ثمار مجالس العلم بين سعد مصلوح وكاتب هذه السطور، حيث نفض عنه غبار الإهمال وأعاد إليه النضارة والرونق في إحياء المصطلح القديم، وجعله سكناً ومستقراً للمصطلح الإنكليزي Background وقد رأيت طرح مقترحه للتداول بين الحكومة الأدبية.
2 –        في نشرة الأستاذ محمود شاكر لكتاب دلائل الإعجاز: «أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كَلِمٌ مفردة، وأن الفضيلة وخِلَافَها، في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها» عبد القاهر الجرجاني؛ دلائل الإعجاز، قرأه وعلَّق عليه محمود محمد شاكر ، مطبعة المدني، المؤسسة السعودية بمصر، ط. الثالثة 1992، ص 46.أما الطبعة التي اعتمد عليها المؤلف،فهي نشرة محمد التنجي، ط. الثالثة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1999، ص 54، وفيها اعتمد التنجي على تحقيق الإمام محمد عبده، وأشار إليها الأستاذ شاكر بـ «المطبوعة» وجاء في صفحة 46 الهامش رقم (4): «في المطبوعة»: «وأن الألفاظ تتثبت لها الفضيلة وخلافها»، وهو غير جيد». والرأي للمؤلف إن ارتضى – كما ارتضيت – قراءة الأستاذ شاكر.
3 –        تقوم أطروحة لوسيان جولدمان: «نحو علم اجتماع الرواية» على بيان التماثل بين تطور الموضوعات الروائية وتطور البناء الاقتصادي للرأسمالية. وجولدمان يلح على أن اختفاء قيمة «الفردية» بدخول الرأسمالية إلى مرحلتها الاحتكارية، يتطابق مع تغير الشكل الأدبي للرواية. انظر: علا مصطفى أنور: رؤى العالم في الأعمال الأدبية، دراسة لمنهج لوسيان جولدمان، القاهرة، المجلة الاجتماعية القومية، المجلد السابع والعشرون، العدد الأول، يناير 1990، ص ص 102، 133.
السيد يس: التحليل الاجتماعي للأدب، الطبعة الثالثة، القاهرة، دار العين للنشر 2007، ص ص 31، 32، 35، 38.
4 –        مصطلح: «رؤية العالم» World Viewأو النظرة إلى العالم، أو استشراف العالم في صورته الألمانية Weltanschauung يقصد به: «كل الأفكار والتصورات التي تقوم على أساس الافتراضات التي يسلّم بها أعضاء مجتمع من المجتمعات، عن طبيعة العالم، وأسس وجوده، وموقف الإنسان من هذا الوجود، ليس من وجهة نظر الباحث، ولكن حسب تصورات أعضاء ذلك المجتمع أنفسهم» انظر: المجلة الاجتماعية القومية، م. س، ص ص 56، 66، 67.
ومن اللافت أن «مجلة عريقة – المقتطف – حملت لواء التنوير والدعوة إلى النظرة العلمية للواقع والانفتاح على الغرب، التفتت إلى أهمية الوعي بدور الماضي في بناء الحاضر. فهو بوابة المستقبل، على نحو ما تقرأ هذا المقتبس:
«إذا شبهنا عقول الناس بنقوش تراكبت فيها المعتقد فوق المعتقد تراكب اللون فوق اللون، كان من مهام العقل البشري أن يفقه تاريخ حياة هذه المعتقدات، ولماذا وجدت، وهل من حقها أن توجد؟ أم أنه ينبغي أن تنبذ وتُهمل؟ وما هي تلك الموجات الفكرية العظيمة والآمال المتوثبة التي خلفت من ورائها تلك الرواسب المتراكمة؟… وما قيمة الأشياء التي خلفتها للعصر الحاضر،…
إذا انتهى المرء إلى معرفة المواد التي تهيئها له الدنيا الحافة به، بقي عليه أن يستوعب الماضي، ويعرف أثره في الحاضر، ثم يتفهمه ويحكمه، حتى تكون له السيادة عليه». المقتطف، القديم وأثره في الحديث، أغسطس 1945، ص 334.
5 –        عن حضور الماضي في الحاضر أو العلاقة بين التراث والمعاصرة، انظر:
-         سعد مصلوح: «العربية من نحو الجملة إلى نحو النص» الكتاب التذكاري لجامعة الكويت، دراسات مهداة إلى ذكرى عبد السلام هارون، 1990، ص 423.
-         شكري محمد عياد: جسور ومقاربات ثقافية، تحرير وإشراف أحمد إبراهيم الهواري، الطبعة الأولى، القاهرة، دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية، 1995، ص 27 – 36.
-         شكري محمد عياد، الرؤيا المقيدة، دراسات في التفسير الحضاري للأدب، الطبعة الأولى، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القسم الأول ص 5 – 59.
-         تجارب في الأدب والنقد، الطبعة الثانية، القاهرة، أصدقاء الكتاب للنشر والتوزيع 1994، ص 11، 15، 25.
-         نحن والغرب، القاهرة، كتاب الهلال، سبتمبر 1990، ص 8، 83، 88.
-         على هامش النقد،القاهرة، أصدقاء الكتاب للنشر والتوزيع 1993، ص 52، 70، 73، 76.
-         دائرة الإبداع مقدمة في أصول النقد، القاهرة، دار إلياس العصرية، 1986، ص 128.
-         فهمي جدعان: الماضي في الحاضر، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1997، ص 439.
-         فهمي جدعان: رياح العصر، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2002، ص 315، 464.
-         فؤاد زكريا: التخلف الفكري وأبعاده الحضارية، بحث قدم في ندوة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي» أبريل 1974، الطبعة الأولى، الكويت 1975، ص 168.
-         محمد عابد الجابري: التراث والحداثة، الطبعة الثانية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، يونيو 1999، ص ص 15، 21، 45.
-         نحن والتراث، الطبعة الأولى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، مايو 2006، ص 15 – 19.
-         الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، التراث وتحديات العصر في الوطن العربي (الأصالة والمعاصرة)، الطبعة الثانية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1987.
-         عبدالرحمن شكري: الدين والأخلاق بين الجديد والقديم، الرسالة العدد 272، السنة السادسة 1938.
-         عز الدين إسماعيل: القديم والحديث يتساندان ولا يتعارضان، مجلة العربي، العدد 92 يوليو 1996.
6 –        الجرجاني: التعريفات، وضع حواشيه وفهارسه، باسل عيون السود، منشورات محمد علي بيضون، بيروت، دار الكتب العلمية 2000، ص 202.
7 –        أحمد مطلوب: معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، الطبعة الثانية 1996، بيروت، مكتبة لبنان ناشرون، 590.
8 –        سعد مصلوح: في النص الأدبي، دراسة أسلوبية إحصائية، الطبعة الثالثة، القاهرة، عالم الكتب، 2002، ص 227.
9 –        انظر : سعد مصلوح: في البلاغة العربية والأسلوبيات اللسانية – آفاق جديدة، القاهرة، عالم الكتب، 2006 لمصطلحي (السبك) Cohesion، و(الحبك) Coherence ، وقد ترجمه بالمقامية Situationalitys. وقد سبق أن ارتضى ترجمة نبيل علي لــــ «المقامية» بـــ (Pragmatic) ، نبيل علي: اللغة العربية والحاسوب، الكويت 1988، ص 19، والنقل من الكتاب التذكاري لـ «عبد السلام هارون». وقد أشاد بالترجمة الموفقة التي قام بها «تمام حسان» لمصلح Thematic Meaningبــ «المعنى الشأني». (م. ن).